مع انتهاء المهلة المقرّرة للانسحاب الأميركي من العراق اليوم، انسحبت آخر القوّات الأميركية من آخر قواعدها في العراق، وفقًا لما أفادت به وزارة الدفاع العراقية أمس. الحدث يُجسّد نهاية أكثر من عقدين من الوجود العسكري الأميركي في البلاد، الذي بدأ في عملية "حرّية العراق" عام 2003، وعاد لاحقًا من أجل محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي. ترى واشنطن مصلحة في إنهاء وجودها العسكري في العراق، في إطار الاستراتيجية الأميركية القاضية بتخفيف الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط ونقل أكبر قدر ممكن من الأعباء الأمنية والعسكرية إلى الشركاء الإقليميين، خصوصًا مع تزايد التحدّيات التي تواجه النفوذ الأميركي في أوروبا الشرقية وأقصى شرق آسيا.
انطلاقًا من ذلك، وافقت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن على الانسحاب من العراق عام 2024، ونفّذ الرئيس دونالد ترامب القرار هذا العام. ورغم أن الأسباب الموجبة للانسحاب الأميركي لا تتعلّق بإيران وميليشياتها العراقية، تحتفل الأخيرة بالانسحاب بوصفه "انتصارًا تاريخيًا"، معتبرة أن رحيل القوّات الأميركية من شأنه أن يعزّز نفوذها في البلاد، بينما كان معظم الشيعة العراقيين قد أيّدوا الغزو الأميركي عام 2003، وتعاونوا مع أميركا بأشكال مختلفة في المعارك ضدّ "داعش".
تبقى ترجمة "انتصار" إيران والميليشيات العراقية المزعوم إلى مكاسب سياسية وأمنية صعبة جدًا، إذ إن الانسحاب الأميركي من العراق عزّز موقف حكومة علي الزيدي بشأن حصر السلاح بيد الدولة بحلول نهاية حزيران المقبل، فقد أزال الانسحاب آخر ذريعة كانت تستخدمها الميليشيات للحفاظ على سلاحها. ورغم المخاوف المشروعة من أن تعتمد حكومة الزيدي سياسة الهروب إلى الأمام في هذا الصدد، تشكّل الضغوط الأميركية - الخليجية عليها عاملًا محفّزًا لتنفيذ حصر السلاح، خصوصًا في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها "بلاد الرافدين" إثر عرقلة الملاحة في مضيق هرمز.
بالإضافة إلى ذلك، لا يلغي الانسحاب الأميركي قدرة واشنطن وحلفائها على توجيه "صفعة عسكرية" للميليشيات العراقية في حال رفضت التعاون مع حكومة الزيدي بشأن حصر السلاح أو إذا واصلت استهداف دول الخليج. ومن المتوقّع أن تستمرّ واشنطن وحلفاؤها في دعم بغداد طالما بقيت الأخيرة ملتزمة بمهمّة حصر السلاح، في وقت تواجه فيه الميليشيات العراقية عوائق ضخمة للحصول على تمويل وتسليح مع تشديد واشنطن الحصار الاقتصادي على إيران وأذرعها.
من جهة أخرى، يُثير الانسحاب الأميركي من العراق مخاوف من عودة "داعش" إلى الواجهة، ولا سيّما أن التنظيم ما زال يحتفظ بشبكة من الخلايا النائمة، رغم هزيمة ما تُسمّى "دولة الخلافة" التي أعلنها قبل أكثر من 10 سنوات. وحذّر القائد الكردي سيروان بارزاني من أن غياب المعلومات الاستخباراتية والدعم بالإمداد والتموين والطائرات المسيّرة الأميركية سيمنح التنظيم فرصة لإعادة تنظيم صفوفه، كاشفًا أنه "على مدى أكثر من أسبوعين، رصدنا تحرّكات لخلايا نائمة تابعة لتنظيم "داعش"، عقب إعلان انسحاب "التحالف الدولي" رسميًا من العراق بحلول نهاية أيلول".
وأفادت قوّات الأمن العراقية بأن خلية يُشتبه في انتمائها إلى "داعش" كانت تستعدّ لشنّ هجمات انتحارية تتزامن مع الانسحاب الأميركي. وأوضح أربعة مسؤولين عراقيين في الأجهزة الأمنية والجيش لوكالة "رويترز" أن المخطّط سلّط الضوء على المخاوف من أن التنظيم لا يزال قادرًا على استغلال الثغرات الأمنية، رغم الانتكاسات العسكرية على مدى سنوات. وأشار العقيد خالد البياتي، وهو مسؤول أمني بارز في مدينة كركوك، إلى أن "داعش" يسعى إلى "توجيه رسالة مفادها أن التنظيم لا يزال قويًا وقادرًا على تنفيذ هجمات دامية". بالتزامن، نفّذت السلطات العراقية حكم الإعدام بحق 10 مدانين بجرائم "إرهاب" في سجن مدينة الناصرية في جنوب البلاد، بحسب وكالة "فرانس برس".
إلى ذلك، تواصل حكومة الزيدي حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها منذ أشهر وأسفرت حتى الآن عن توقيف عدد من المسؤولين رفيعي المستوى واسترداد ملايين الدولارات. وأصدر القضاء العراقي حكمًا بالسجن لمدّة سبع سنوات بحق عضو مجلس النواب محمد فرمان شاهر سلمان الجبوري، بعد إدانته بارتكاب جريمة الكسب غير المشروع، مع إلزامه بتسديد أكثر من 28 مليار دينار عراقي.