أفضل وصف لخطابات العرب كانت قول نزار قباني "لا فكر ولا فلسفة بل صرف وإعراب".
لا تنطبق مقولة قباني على كلمة رئيس الحكومة نواف سلام في الجمعية العمومية للأمم المتحدة. فبدت فيها بوضوح خلفية سلام اأكاديمية ووسع إحاطته بالقانون الدولي إضافة إلى تجربة عملية تحول دون انجرافه وراء أوهام عالم مثالي لا مكان له في عالم الواقع.
لا تحول الخلفية الأكاديمية دون حسن مخاطبة الواقع. لكن سلام اختار الامساك عن تسمية الأشياء بأسمائها. فالخطاب يكرر ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة" من دون أي إشارة إلى الجهة الداخلية أو الإقليمية التي تجهض هذا المسعى، كما لم يذكر "من يعلّق الجرس؟". في المقابل، ورد اسم "إسرائيل" مرة واحدة في الخطاب مسقطة الأوصاف التي جرت العادة إلحاقها بـ"إسرائيل".
في كلمة الرئيس سلام اقتراحات لتطوير عمل الأمم المتحدة بعد ثماني عقود على تأسيسها. لم يجنح به الخيال، فالرئيس سلام لم يطلب إلغاء "حق الفيتو" ولا حتى توسيع نطاقه، بل "تقيييده". ينادي المثاليون بإلغاء كل تمييز والمساواة بين أعضاء المؤسسة الدولية. التجارب تثبت ضرورة "إغراء" الدول العظمى بتمييزها لاستمرار عضويتها وإلا لتكررت سابقة "عصبة الامم"، التي لم تستمر لأكثر من عقد ونصف لتنهار بخروج الدول الكبرى ما سهّل اندلاع الحرب العالمية الثانية. تجربة حدت بواضعي نظام الأمم المتحدة على "رشوة" الدول الكبرى بتخصيصهم بحق "الفيتو". ثمرة هذه التسوية كانت استمرار المنظمة الدولية.
كلمة الرئيس سلام، على محاسنها، لا تخلو من شوائب.
هناك ما كان يمكن تحاشيه من إدخال قضية داخلية مخجلة لحكام لبنان في خطاب موجه للمجتمع الدولي، انفجار مرفأ بيروت منذ ست سنوات الذي لا يمكن القطع في أسبابه ومنفذيه من دون إجراء السلطة اللبنانية التحقيق بجرم ذهب ضحيته مئات القتلى واضعافها من الجرحى إضافة إلى دمار طال جميع أرجاء العاصمة بدرجات متفاوتة. تحقيق ما زال في طوره الأول بعد ست سنوات. لم ننسَ تهديد وفيق صفا، ممثل "حزب الله"، من قصر العدل المحققين والقضاة. ألم يكن الأجدى وضع حد لهذا التقصير المهين في تاريخ لبنان خاصة وإن تردد حكومة سلام لا يمكن تبريره إذ إنّ سطوة "حزب الله" قد تقلّصت ومضى ما يقرب من العام والنصف على حكومته.
من المآخد أيضًا مديح سلام باليونيفيل والأونروا. لا أعرف فضيحة تفوق تقصير اليونيفيل الذي أسند إليها ضبط حدود لبنان مع إسرائيل بنفقات تعدت مليارات الدولارات، لينتهى بأكبر فضيحة في تاريخ الأمم المتحدة. ليس فقط عدم ضبط الأوضاع، بل الصمت على كيلومترات من الأنفاق ومخازن الأسلحة في منطقة اليونيفيل وحتى تحت محلات إقامته. طبعًا كان وجود القوة الدولية مصدر رزق لعدد كبير من أبناء الجنوب ما يوجب الإشادة به. لكن لا شكر لمؤسسة غطّت بفسادها ولعقود، ما كلّفت بكشفه، وكان من أسباب كارثة لبنان الأخيرة وتدمير قراه وتهجير مئات الالاف من سكانه.
هناك أيضًا مديح سلام لـ"الأونروا". لا مأخذ على الحكم في لبنان إن قلق من حلّ "الأونروا"، إذ إن العبء المالي للفلسطينيين سينتقل إلى الحكومة اللبنانية. لكن "الأونروا" علّمت، طوال عقود، النشء الفلسطيني على العنصرية والعنف، ليس فقط ضد إسرائيل، بل إن المأخذ الأكبر هو العنصرية ضد كل يهودي، إضافة إلى ثبوت اشتراك موظفين في "الأونروا" في مجازر 7 أكتوبر.
يبدو أن الرئيس سلام مقتنعًا أن العودة إلى اتفاقية الهدنة مع إسرائيل عام 1949 وانسحاب جيشها من لبنان هو الحل. لكن السؤال الملّح، ألم يكن ذاك هو حال لبنان من 1949 حتى 1969؟ لماذا إذن انهار لبنان وتسلّط علينا الفلسطيني والسوري والإيراني واجتاحتنا إسرائيل أربع مرات؟ ألا يمكن أن يكون السبب في مكان آخر؟
الثناء على الكلمة يبقى محدودًا، إذ تحاشى سلام ذكر حلّ لمعاناة لبنان، حلّ يتصاعد الجهر به عبر المجتمعات اللبنانية المختلفة: الالتحاق بركب الصلح مع إسرائيل.
السلام غاية سعت إليها البشرية عبر التاريخ، واحتلّت مكان الصدارة في الأدب والفنون والأديان. ومن أبلغ الأمثلة على ضرورة السلام تمثال شهير يمثّل رجلًا قويًا يرفع مطرقة ليلوي سيفًا، كُتب في أسفله: "لنحوّل سيوفنا إلى محاريث". مصدر المقولة هو "العهد القديم".
السلام مهم للبشرية جمعاء، لكن له أهمية جوهرية في حال لبنان. لا يمكن لبلد لا يملك إلا حدّين برّيين، خاصة إذا قام اقتصاده على الترانزيت، أن يقفل أحدهما، إذ يضمر استقلاله ويصبح تحت رحمة الحد المفتوح. ويصدق هذا على كل من حكم لبنان، مسيحيًا كان أو مسلمًا، بمن فيهم الشيعة. السلام ليس فقط قيمة وفائدة، بل هو، في حالنا، ضمان لاستقلالنا.