تخضع الانتخابات النصفية في أميركا لقاعدة ثابتة: الحزب الحاكم هو الخاسر بحكم تراجع شعبية الرئيس ومزاج الناخب. غير أن التاريخ السياسي يسجل محطات كبرى تكسر هذه القاعدة تحت وطأة ظروف طارئة؛ فعندما اجتاح الكساد الكبير البلاد، قاد الرئيس فرانكلين روزفلت حزبه لتحقيق مكاسب نادرة وغير معتادة في انتخابات التجديد النصفي عام 1934، مستندًا إلى الزخم الهائل لبرنامجه الإصلاحي الشامل والمعروف بـ«الصفقة الجديدة» (New Deal)، والتي أعادت هندسة دور الدولة الاقتصادية وألهبت حماس القواعد الشعبية. وتكرر هذا الانعطاف المماثل عقب اعتداءات 11 أيلول 2001، حين هبت رياح «الالتفاف حول العلم» لتمنح إدارة جورج بوش الابن والجمهوريين تفويضًا شعبيًا جارفًا خالف كل التوقعات التقليدية في انتخابات 2002. اليوم، تقف واشنطن على عتبة محطة مفصلية جديدة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية العاتية مع تداعيات الحرب الاقتصادية والعسكرية المفتوحة مع إيران، لتختبر مجددًا ما إذا كانت هذه القواعد ستصمد أمام زلازل الواقع أم ستسقط تحت وطأتها إلا إذا وقع حدث كبير يغير المعادلة برمتها.
تتحدد ملامح المشهد الانتخابي الراهن في الكونغرس الأميركي، بغرفتيه النواب والشيوخ، تحت وطأة ضغوط اقتصادية غير مسبوقة وقلق متزايد يحاصر الإدارة الجمهورية. ففي صلب المعادلة الانتخابية يتربع الملف المعيشي والوضع الاقتصادي كعامل حاسم في توجيه بوصلة الناخب؛ إذ أدى الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وأسعار السلع والوقود إلى تراجع لافت في شعبية الرئيس ترامب، وسط تحميل واسع لسياسات البيت الأبيض مسؤولية هذا التدهور، وتداخل هذه الأزمات مع تداعيات الحرب الاقتصادية والعسكرية المفتوحة مع إيران.
وفي ظل هذه البيئة الضاغطة، يجد الحزب الجمهوري نفسه مكبلًا بلعنة التاريخ التي تلاحق عادة حزب الرئيس في الانتخابات النصفية. وفي المقابل، يتحرك الديمقراطيون مستفيدين من حالة السخط والتذمر العام في الشارع؛ وبحسب المعطيات، فإن حظوظ الديمقراطيين في الفوز بالأغلبية في مجلس النواب تبدو شبه محسومة ومرجحة بقوة، في حين تحول مجلس الشيوخ إلى ساحة مواجهة محتدمة ومعركة قاسية تتنافس فيها الأطراف بشراسة حتى اللحظات الأخيرة. ومع ترجيح فقدان السيطرة التشريعية جراء هذه النتائج المحتملة، ستتآكل قدرة الرئيس على المناورة في مجمل السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء.
وعلى صعيد السياسة الخارجية بالتحديد، ورغم الصلاحيات الواسعة للرئيس، فإن خسارته الأغلبية التشريعية ستمنح الديمقراطيين ترسانة أدوات ضغط إضافية لكبح سياسات البيت الأبيض تجاه قضايا المنطقة؛ لا سيما عبر محاولات تقييد حرية الحركة وتعطيل أو إبطاء مسار العمليات العسكرية، وسط ضغوط داخلية متزايدة تفرضها إيقاعات الحرب مع إيران وملفات الشرق الأوسط الشائكة.
وفي السياق ذاته، وإسقاطًا لما تقدم على الوضع اللبناني، فمع تولي الرئيس جوزيف عون مقاليد الرئاسة وتشكيل الحكومة برئاسة نواف سلام، توفرت للبنان فرصة تاريخية نادرة لنزع سلاح حزب الله تمهيدًا لتوقيع اتفاقية سلام وتطبيع مع دولة إسرائيل، مدعومة بزخم دولي وأميركي هائل. غير أن سياسة التسويف والمماطلة في تنفيذ الوعود التي أطلقتها السلطة اللبنانية أدت إلى تآكل هذه الفرصة التاريخية؛ ليتزامن هذا التراجع الداخلي مع ضعف الإدارة الأميركية وانحسار قدراتها تحت وطأة الاستحقاقات النصفية، فتتحمل القيادة اللبنانية الجديدة مسؤولية إهدار فرصة الخلاص وترك البلاد أمام فراغ استراتيجي ومخاطر غير محسوبة.