ولا يمكن فصل ما حصل عن طبيعة العلاقة التي جمعت رونالدو وجيسوس فالمدرب البالغ 72 عاماً سبق أن أشرف على النجم البرتغالي في النصر السعودي حيث عملا معاً خلال الموسم الماضي، وتُوّج الفريق بلقب الدوري السعودي للمرة الأولى منذ عام 2019. وكانت تلك التجربة قد جمعت الطرفين في مشروع انتهى بإحراز اللقب قبل أن يجد كل منهما نفسه في موقع مختلف داخل المنتخب حيث بات جيسوس صاحب القرار الفني فيما أصبح رونالدو مطالباً بالتكيّف مع خيارات مدرب يعرفه جيداً.
وبدأت ملامح التوتر تظهر خلال مواجهة النروج الأحد الماضي في دوري الأمم الأوروبية عندما أبقى جيسوس قائده على مقاعد البدلاء طوال المباراة التي انتهت بفوز البرتغال 2-1. ولم تكن المشكلة في عدم إشراك رونالدو أساسياً فحسب بل في مطالبته بالإحماء قبل أن يقرر المدرب عدم الدفع به حتى نهاية اللقاء. وبعد صافرة النهاية توجّه رونالدو مباشرة إلى غرف تبديل الملابس من دون مشاركة زملائه في تحية الجماهير البرتغالية.
وحاول جيسوس التقليل من أهمية ما حصل مؤكداً عدم وقوع أي خلاف لكنه أقرّ في الوقت نفسه بأن بقاء اللاعب على مقاعد البدلاء بعد الإحماء ليس أمراً سهلاً. وقال إن أي لاعب يمضي وقتاً في الإحماء ثم لا يشارك لن يكون سعيداً بذلك. وأضاف أنه أبلغ رونالدو مسبقاً بعدم وجوده في التشكيلة الأساسية مع احتمال إشراكه لاحقاً قبل أن يتخذ قراراً بالإبقاء عليه احتياطياً معتبراً أن الأمر لا يستدعي كل هذه الضجة.
اعتذار لم يتحقق؟
غير أن رواية أخرى نقلها الصحافي الإسباني إيدو أغيري عبر برنامج «إل تشيرينغيتو»، كشفت عن تفاصيل إضافية لما حصل خلف الكواليس. فبحسب أغيري عُقد اجتماع بين رونالدو وجيسوس ورئيس الاتحاد البرتغالي بيدرو بروينسا اعتذر خلاله المدرب عن مطالبته اللاعب بالإحماء أمام النروج من دون إشراكه وتعهّد بتقديم اعتذار علني خلال مؤتمره الصحافي والإقرار بأنه أخطأ في إدارة الموقف.
إلا أن جيسوس وفق الرواية نفسها لم ينفّذ ما وعد به بل خرج أمام وسائل الإعلام ليؤكد سلطته في اتخاذ القرارات الفنية الأمر الذي جعل رونالدو يشعر بأن المدرب لم يلتزم بالتفاهم الذي جرى بينهما. وجاء المؤتمر الصحافي الذي سبق مواجهة الدنمارك ليزيد التوتر، بعدما أكد جيسوس أنه يعتزم الاعتماد مجدداً على غونسالو راموش، صاحب هدف الفوز في أوسلو، قبل أن يوضح بشأن رونالدو أنه سيشركه إذا احتاج إليه وإلا فسيبقى خارج حساباته.
وهنا تحديداً برز التباين بين الطرفين. فمن الناحية الفنية يملك جيسوس حق اختيار تشكيلته وإجراء المداورة بين اللاعبين خصوصاً في ظل تقدّم رونالدو في السن ووجود خيارات هجومية أخرى. لكن المسألة بالنسبة إلى لاعب أمضى أكثر من عشرين عاماً في المنتخب واعتاد تحمّل مسؤولية قيادته في أكبر البطولات قد تتجاوز المشاركة في مباراة واحدة ولا سيما إذا صحت الرواية المتعلقة بالاعتذار الذي لم يتحقق.
كلمات سبقت قرار الرحيل
واللافت أن رونالدو كان قد مهّد قبل أسبوع واحد فقط لاحتمال اتخاذ قرار مماثل عندما أكد خلال مؤتمر صحافي استعداده لمساعدة المنتخب البرتغالي لكنه شدّد في الوقت نفسه على أنه لن يتمسّك بمكانه إذا لم يعد ضمن حسابات المدرب قائلاً: «إذا جاء يوم لم يعودوا يعتمدون فيه عليّ، فسأكون أول من يحمل حقيبته ويرحل». وبعد أيام قليلة تحوّلت كلماته إلى واقع مع مغادرته معسكر المنتخب في كوبنهاغن عقب الخلاف الذي نشأ مع جيسوس.
وجاء الرد بعد المؤتمر الصحافي مباشرة، عندما غادر رونالدو ملعب «باركن» في كوبنهاغن من دون المشاركة في التدريبات قبل أن ينشر رسالة عبر حسابه على «إنستغرام» أكد فيها اتخاذ قرار مغادرة المعسكر عقب حديث مع رئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم بيدرو بروينسا.
وكتب رونالدو: «بعد المؤتمر الصحافي لمدرب المنتخب الوطني، وعقب محادثة مع رئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم، اتخذت قرار مغادرة معسكر المنتخب». وأضاف: «في الوقت المناسب، سأكشف للشعب البرتغالي حقيقة الأسباب التي دفعتني إلى مغادرة المنتخب الوطني الذي كرّست نفسي له دائماً»، قبل أن يتمنى التوفيق للبرتغال وجميع زملائه من دون استثناء.
مستقبل دولي غامض
وتزداد أهمية هذه التطورات بالنظر إلى توقيتها. فرونالدو، الذي سبق أن أشار إلى أن الموسم الحالي سيكون على الأرجح الأخير في مسيرته يقترب من نهاية مشوار استثنائي شهد تتويجه بخمس كرات ذهبية وارتداءه قمصان سبورتنغ لشبونة ومانشستر يونايتد وريال مدريد ويوفنتوس والنصر. وعلى الصعيد الدولي، خاض 234 مباراة مع البرتغال وسجل 146 هدفاً، ليحافظ على الرقم القياسي في عدد المشاركات والأهداف مع منتخب بلاده. ولعل المفارقة الأبرز أن الخلاف الحالي جاء مع مدرب يعرف رونالدو عن قرب بعدما جمعتهما تجربة ناجحة في السعودية.
فالعلاقة التي قامت على التعاون في النصر أصبحت اليوم أمام اختبار مختلف بين لاعب يتمسك بمكانته ودوره داخل المنتخب ومدرب يسعى إلى فرض خياراته الفنية بعيداً عن الأسماء وتاريخها.
