د. رندة طباع

التاريخ لا ينام

دقيقتان للقراءة
هل يستطيع التاريخ أن يُسقط أقنعة البشر؟ (صورة AI)

جلس أستاذ التاريخ طويلا يفكّر في مادته ويحلّلها. كانت نظراته شاردة، كأنها معلّقة في مكان بعيد يتجاوز الأفق بمراحل. أخذ يتساءل، من خلال خبرته في الحياة ومعرفته بالبشر، عن موضوعات التاريخ وحقيقتها. كان يعلم أن الإنسان يغيّر مواقفه، وأن الحدث الواحد يحتمل تفسيرات وتأويلات كثيرة. وحتى الوقائع، حين يمرّ عليها الزمن، قد تزيد أو تنقص.

ومن الصعب أن نعثر على شاهد محايد قادر على تقييم ما حدث حقًا، وعلى كشف غموض البشر وتقلّباتهم. أيمكن لحدث أو لشعور كان حقيقة مؤكدة أن يغدو فجأة رمادًا؟ وأن تتلاشى ملامح الوجوه، فتصبح كأنها من ورق؟ أهو التاريخ وأحداثه ما يرسم مسار البشرية؟ أم أن لحظات بعينها ترسم تاريخ إنسان قد ينساه الناس، بينما تبقى قصته محفورة في الصخر؟

هل يستطيع التاريخ أن يُسقط أقنعة البشر؟ ففي ذلك اليوم، وفي تلك الساعة، تلاشت الحقائق، وانكشف المستور الكامن في ثنايا القلوب. أكانت تلك مسرحية لشكسبير، أم حقيقة نسجها الخيال؟

ربما لا يحتاج الإنسان إلى قرون كي يصبح جزءًا من التاريخ؛ قد تكفيه لحظة واحدة، لحظة تنقلب فيها الجهات، ويكتشف أن الوجوه التي اطمأن إليها لم تكن سوى صور أتقنت الوقوف أمامه. عندها، لا يعود الماضي كما رواه لنفسه، ولا يعود الحاضر امتدادًا لما ظنّه يقينًا. تتبدّل الأسماء في ذاكرته، وتتغيّر معاني الكلمات، ويصير الصمت اعترافًا، والابتسامة أثرًا بعيدًا لحقيقة غابت طويلا.

في تلك اللحظة، لا يكشف التاريخ ما جرى فحسب، بل يكشف من كانوا حوله، ومن كان هو بينهم. يسقط قناع، فتتبعه أقنعة، ويقف الإنسان أمام حقيقته عاريًا من أوهامه، كأنه يقرأ، للمرة الأولى، سطور حياته. وقد ينسى الناس ذلك اليوم، وقد يطويه الزمن بين أحداث كثيرة، لكن أثره يبقى ساكنًا في القلب، يغيّر نظرة، ويهدم ثقة، ويرسم طريقًا لم يكن في الحسبان.

وهكذا، قد يصبح الإنسان صفحة من التاريخ، أو يمسك بزمام حكايته ويغيّر مسارها بيديه. فالتاريخ لا ينام؛ إنه ينتظر لحظة واحدة ليعيد كتابة كل شيء.