هل تغيّر المزاج الشيعي في لبنان؟ سؤال نسمعه يوميا.هذا السؤال الذي كان محرّماً أو شديد الحساسية، أصبح اليوم جزءاً من النقاش العام. لا يمكن القول إن البيئة الشيعية انقلبت على حزب الله، أو إن عقوداً من العلاقة السياسية والاجتماعية والأمنية معه انتهت خلال أشهر. كما لا توجد أرقام تسمح بالحديث عن انتقال جماعي من خيار إلى آخر. لكن يصعب، في المقابل، تجاهل أن شيئاً يتحرك داخل هذه البيئة، وخصوصاً في الجنوب.
فالتغيير لا يظهر أولاً في الأجوبة، بل في الأسئلة التي أصبح الشيعي مستعداً لطرحها: من قرر الحرب؟ من يدفع ثمنها؟ من يعيد إعمار القرى؟ لماذا يبقى قرار الحرب والسلم خارج الدولة؟ وهل يستطيع الجيش اللبناني أن يصبح المرجعية الفعلية لحماية الجنوب؟
النبطية… عندما تعود الدولة
من هنا يمكن قراءة زيارة رئيس الحكومة إلى النبطية والاستقبال الذي رافق حضور الدولة والجيش. لم تكن المسألة مجرد جولة رسمية، فالنبطية أحد أبرز مراكز الثقل السياسي والاجتماعي الشيعي في الجنوب، ولذلك تحمل الصور الآتية منها معنى يتجاوز حدود المدينة.
مشاهد الترحيب بالجيش، ونثر الأرز وتوزيع الحلوى، لا تعني أن النبطية أصبحت ضد حزب الله، ولا أن جمهوره تخلى عنه. لكنها تقول إن الدولة لم تعد بالضرورة غريبة عن البيئة الشيعية، وإن الجيش ليس خصماً لها.
فالجنوب الذي دفع أثماناً هائلة في الحرب لا يحتاج فقط إلى خطاب عن الصمود، بل إلى دولة تعيد الناس إلى بيوتهم، وتعمر القرى، وتحمي الحدود، وتؤمن المدارس والمستشفيات والطرق وفرص العمل. بعد الحرب، يصبح السؤال عن الدولة سؤال حياة، لا مجرد موقف سياسي.
من يحمينا… ومن يحمينا من الحرب؟
لسنوات طويلة ارتبطت المقاومة في الوعي الشيعي، وخصوصاً الجنوبي، بفكرة الحماية. كان السؤال: من يحمينا من إسرائيل؟ وكان جواب حزب الله واضحاً: المقاومة والسلاح.
لكن التجربة الأخيرة أدخلت سؤالاً أكثر تعقيداً: من يحمينا من الحرب نفسها؟
من يحمي القرية من أن تتحول إلى ساحة معركة؟ من يحمي البيت من أن يصبح ركاماً؟ ومن يقرر متى تبدأ المواجهة ومتى تنتهي؟
هنا يقع التحول الحقيقي. ليس بالضرورة انتقالاً من تأييد حزب الله إلى معارضته، بل انتقالاً من التسليم بالمعادلة إلى مساءلتها. فالإنسان الذي فقد بيته لا يعيش السياسة بالطريقة نفسها التي يعيشها من يشاهد الحرب على شاشة التلفزيون. وعندما تتكرر الخسارة، يصبح من الطبيعي أن يسأل: هل هذه هي الطريقة الوحيدة لحماية أرضي؟
نداءات الجنوب وصورة أخرى للشيعة
يمكن فهم هذا التحول أيضاً من خلال النداءات الصادرة من صور والنبطية وغيرها، ومن أصوات شخصيات وفاعليات شيعية تتحدث بوضوح أكبر عن الدولة والجيش ووقف الحرب وإبعاد الجنوب عن صراعات المحاور.
لا ينبغي المبالغة في حجم هذه الأصوات أو الادعاء بأنها تمثل الأكثرية، لكن تجاهلها خطأ أيضاً. فأهميتها لا تكمن فقط في عدد الموقعين أو قدرتهم الانتخابية، بل في كسر حاجز سياسي ونفسي عمره سنوات.
هناك شيعة يقولون علناً إنهم يريدون الدولة، وجنوبيون يقولون إنهم لا يريدون حرباً جديدة، ومن يرفض الاحتلال الإسرائيلي لكنه يرفض في الوقت نفسه أن يكون قرار الحرب خارج المؤسسات الدستورية. هذه المعادلة الجديدة تستحق الانتباه.
وفي السياق نفسه جاءت زيارات شخصيات شيعية لبنانية إلى روما والفاتيكان وفرنسا وواشنطن. لم تكن الزيارات بهدف تمثيل الشيعة أو إعلان بديل عن حزب الله وحركة أمل، بل لإظهار صورة مختلفة وهي: نحن لبنانيون قبل أن نكون شيعة.
هذه العبارة لا تعني التنكر للهوية الشيعية، بل إعادة ترتيب الانتماءات. فالشيعة جزء من دولة اسمها لبنان، وليسوا جماعة سياسية ملحقة بمحور إقليمي، ولا ينبغي اختصار وجودهم بخيار سياسي واحد.
لم تغيّر الزيارات المزاج الشيعي، لكنها أعطت صوتاً وصورة وشرعية علنية لتحول كان يتشكل أصلاً في الداخل.
حزب الله لا يزال قوياً
من الخطأ بناء أوهام سياسية. فحزب الله ليس تنظيماً هامشياً داخل الطائفة الشيعية. لديه قاعدة شعبية وتنظيم ومؤسسات وتاريخ وشبكة اجتماعية، وعائلات ارتبطت به على مدى عقود، فضلاً عن آلاف من قاتلوا أو فقدوا أبناءهم في صفوفه.
كما أن قسماً واسعاً من الشيعة لا يزال يرى في إسرائيل التهديد المباشر، ويخشى أن يؤدي التخلي عن سلاح حزب الله إلى ترك الجنوب مكشوفاً. هذه المخاوف حقيقية ولا يجوز التعامل معها باستخفاف.
لكن السؤال الذي بدأ يظهر هو: هل يجب أن تبقى الإجابة عن هذا الخوف نفسها إلى الأبد؟ وهل يستطيع لبنان بناء دولة إذا بقي أمن إحدى جماعاته مرتبطاً بمنظومة عسكرية مستقلة عن الدولة؟
الدولة لا تُبنى على الانتقام
أكبر خدمة يمكن تقديمها لحزب الله هي تحويل النقاش إلى مواجهة مع الشيعة. فخطاب الانتصار على «البيئة»، أو تحميل طائفة كاملة مسؤولية ما جرى، سيعيد إنتاج الخوف القديم.
الشيعي الذي بدأ يسأل عن الدولة لن يذهب إليها إذا شعر أنها تريد الانتقام منه، بل سيعود إلى من يقول له إنه يحميه. لذلك لا يمكن بناء الدولة على هزيمة جماعة لبنانية، بل على إقناعها بأن انتقال القرار العسكري إلى الدولة لا يعني فقدان الحماية، بل انتقالها من حزب إلى مؤسسة وطنية.
وإذا أرادت الدولة ثقة الجنوبيين، فعليها أن تكون موجودة في الحدود والإعمار والتعويضات والمدرسة والمستشفى والقضاء وحماية الأرض. فالناس لا تنتقل من منظومة حماية إلى أخرى بسبب الخطب، بل عندما تجد بديلاً أكثر أمناً واستقراراً وكرامة.
ما الذي تغيّر؟
ربما لم تتغير الخيارات النهائية بعد، لكن تغير شيء أعمق: احتكار تعريف الشيعي سياسياً.
أصبح ممكناً أن تكون شيعياً وتقول إنك مع الجيش، وأن تكون جنوبياً وتقول إنك لا تريد الحرب، وأن ترفض إسرائيل وتطالب في الوقت نفسه بحصرية السلاح، وأن تحترم من قاتل دفاعاً عن أرضه، لكنك تسأل من يملك قرار الحرب.
هذه ليست ثورة داخل الطائفة، ولا انقلاباً على حزب الله، بل بداية خروج من ثنائية: إما المقاومة وإما الخيانة، إما السلاح وإما الاستسلام.
بين الاثنين مساحة واسعة اسمها الدولة.
لم يعد السؤال فقط: من يحمينا؟
بل أصبح: كيف نحمي أنفسنا من دون أن نخسر دولتنا وأرضنا وبيوتنا ومستقبل أولادنا؟
وعندما يبدأ مجتمع بطرح هذا السؤال بصوت مرتفع، فهذا لا يعني أن التحول اكتمل، لكنه يعني بالتأكيد أن شيئاً بدأ يتغير.