المحامي رفيق اورى غريزي

بيروت ليست أوسلو: في خطيئة القياس على الفارق

4 دقائق للقراءة

في السياسة، كما في القانون، القياسُ أداةٌ حادّة: إن أُحسن استعمالُه أضاء، وإن أُسيء استعمالُه صار حكماً مسبقاً يرتدي ثوب التحليل. وحين يقرّر زعيمٌ بوزن وليد جنبلاط وخبرته أنّ «أوسلو الفلسطيني وُلد ميتاً وأنّ أوسلو اللبناني على الطريق»، فإنّ الكلام لا يبقى تدوينةً عابرة، بل يغدو نعياً مبكراً لمسارٍ لم يكتمل، ووثيقةَ اتهامٍ تُستعار منها المخاوف وتُبنى عليها المواقف. والإشكالية ليست في التحذير من الأطماع الإسرائيلية، فهي ثابتة بالوقائع لا بالخطابة، بل في سؤالٍ أسبق وأخطر: هل يجوز أصلاً أن نقيس دولةً قائمة تفاوض على استعادة أرضها، على حركة تحرّرٍ كانت تفاوض على حقّها في أن تصير دولة؟

لنعد إلى التاريخ لا إلى الشعار. دخلت منظمة التحرير الفلسطينية أوسلو عام 1993 وهي في أضعف لحظاتها: قيادةٌ منفية في تونس منذ الخروج من بيروت عام 1982، عزلةٌ عربية ومالية خانقة بعد موقفها من حرب الخليج، انهيارٌ للاتحاد السوفياتي الذي كان ظهيرها الدولي، وانتفاضةٌ أولى أنهكها الوقت. فاوضت المنظمة بلا أرضٍ تحت قدميها، وبلا حدودٍ معترفٍ بها، وبلا مرجعيةٍ تُلزم الطرف الآخر بنهاية واضحة. اعترفت بإسرائيل دولةً، ونالت في المقابل اعترافاً بها ممثّلاً لشعب، لا دولةً لأرض. ثم قبلت، وهنا الخطيئة البنيوية، أن تُرحَّل القضايا الجوهرية كلّها، من القدس إلى اللاجئين إلى المستوطنات إلى الحدود والمياه، إلى «مرحلة انتقالية» من خمس سنوات لم تنتهِ قطّ. فصار المؤقّت دائماً، وتحوّلت تقسيمات «أ» و«ب» و«ج» من ترتيبٍ عابر إلى خريطةِ قضمٍ منهجي، وتضاعف الاستيطان في ظلّ اتفاقٍ وُقّع أصلاً لوقفه. إنّ «التفاوض من أجل التفاوض» لم يكن انحرافاً طارئاً عن أوسلو، بل كان مكتوباً في نصّه منذ اليوم الأول.

أمّا لبنان، فحالةٌ مختلفة في الجوهر لا في التفاصيل. هو دولةٌ مؤسِّسة في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، حدودُه الجنوبية مرسّمة منذ اتفاقية بوليه–نيوكومب عام 1923، ومثبّتة في اتفاقية الهدنة عام 1949، ومحميّة بقراراتٍ دولية من القرار 425 إلى القرار 1701، وقد أقرّت الأمم المتحدة نفسها بانسحاب عام 2000 وبالخط الأزرق، ثم أنجز لبنان ترسيم حدوده البحرية عام 2022. لبنان لا يفاوض على وجوده، ولا يطلب اعترافاً بشرعيته، ولا يبدأ من ورقةٍ بيضاء؛ بل يطالب بتنفيذ سندِ ملكيةٍ قائم. الفلسطيني كان مطالَباً بأن يُثبت حقّاً منازَعاً فيه، أمّا اللبناني فلا يحتاج إلا إلى إنفاذ حقٍّ مكرَّس. وأوسلو كان يرمي إلى إقامة دولة، فيما ترمي مفاوضات لبنان إلى استكمال سيادة دولةٍ قائمة: تحرير الأرض، وعودة النازحين، والإعمار، وإرساء استقرارٍ مستدام. والخلط بين المسارين خطأٌ قانوني قبل أن يكون خطأً سياسياً.

ولا يعني ذلك أنّ المخاوف بلا أساس. فإسرائيل التي تواصل احتلال بلداتٍ في الجنوب، وتستبيح الأجواء والأرض بالغارات اليومية، وتتملّص من التزاماتها، لا تمنح أحداً ترف حسن الظن. لكنّ الإنصاف يقتضي التمييز بين التحذير من سلوك العدو والحكم بالإعدام على أداة الدولة. فالقياس على أوسلو، في هذا التوقيت تحديداً، لا يُضعف إسرائيل بل يُضعف المفاوض اللبناني؛ إذ يجرّده من الغطاء الداخلي، ويهدي خصومه في الداخل حجّةً جاهزة لإبقاء القرار خارج الدولة، ويحوّل النبوءة المتشائمة إلى نبوءةٍ تحقّق ذاتها. وليس من القراءة السياسية أن يُمنح المسار غطاءً في الصباح ثم يُنعى في المساء؛ فالقيادة في لحظات المصير لا تُقاس بدقّة التشاؤم، بل بالقدرة على تحويل القلق إلى شروط.

والمفارقة أنّ الدرس الحقيقي لأوسلو ليس أنّ التفاوض قاتل، بل أنّ التفاوض المشتّت قاتل. خسر الفلسطينيون لأنهم فاوضوا بلا دولة، وبلا وحدة قرار، وبلا مرجعيةٍ ملزمة، وقبلوا تأجيل الجوهر لقاء مكاسب شكلية. فإذا أراد لبنان أن يتعلّم من أوسلو، فليتعلّم هذا تحديداً: لا اتفاقات مرحلية بلا سقفٍ زمني ملزم، ولا تأجيل للانسحاب الكامل أو لملف الأسرى أو لعودة الأهالي إلى قراهم، ولا مرجعية خارج كافة القرارات الدولية ولا سيما القرار 1701، ولا مفاوض يتكلّم بلسانين بينما قرار الحرب والسلم موزّعٌ بين الدولة وسواها.

إنّ لبنان يقف اليوم على مفترقٍ لا يحتمل الالتباس: إمّا أن يفاوض بوصفه دولة، وإمّا أن يُفاوَض عليه بوصفه ساحة. وأوسلو لم يمت لأنّ الفلسطينيين جلسوا إلى الطاولة، بل لأنهم جلسوا إليها بلا دولة. فإن مات المسار اللبناني يوماً، فلن يموت لأنّ لبنان فاوض، بل لأنّ بعض أهله أصرّوا على أن يفاوض بلا دولة، ثم وقفوا على الأطلال يقولون: ألم نقل لكم؟