ريمون شاكر

"طويلة على رقبتكم"!

3 دقائق للقراءة

"طويلة على رقبتكم"!

هذه العبارة النابية التي أطلقها الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في الذكرى الثانية لاغتيال السيد حسن نصرالله، لا تليق برجل دين.. وكذلك رَفع الإصبع والتهديد والوعيد واتهام السلطة اللبنانية (رئاسة الجمهورية والحكومة) باتخاذ مسار تفاوضي غير شرعي ومُذِلّ مع إسرائيل (مثل "اتفاق الإطار" المُبرَم برعاية أميركية)، مُعتبِراً أنّ السلطة تُقدّم تنازلات وتُفرِِّط بأوراق القوّة دون مُقابِل.. ودعا إلى تجميد المفاوضات المُباشرة وإسقاط الإتفاق..!

للأسف، يُفترَض برجل الدين (بغضّ النظر عن طائفته)، أن يكون قدوة في الأخلاق وحُسن الخطاب والإلتزام بالقوانين.. وتدعو جميع الأديان السماوية إلى احترام الآخرين، والإبتعاد عن الفَحش في القول والإلتزام بالسلم الأهلي...

هناك فرقً شاسع بين المعارضة السياسية أو النقد البنّاء للسياسات والمسؤولين (وهو حقّ مكفول في الأنظمة الديمقراطية)، وبين استخدام الألفاظ النابية والتحريض وتحدّي مؤسّسات الدولة...

إذا كان التفاوض مع العدوّ الإسرائيلي لاسترجاع الأرض التي احتلّها، بسبب "حروب الإسناد" الفاشِلة غير شرعي ومُذِلّ، فهل تدخّلات "الحزب" العسكرية والسياسية في صراعات المنطقة، من سوريا إلى اليمن، ومن غزّة إلى طهران، هي شرعية وقانونية وتخدم المصلحة الوطنية؟

إنّ تدخّلاتكم السافِرة في شؤون المنطقة تُشكِِّل خرقاً واضحاً لسيادة الدول والقانون الدولي.. وزَجّ لبنان في "حروب إسناد" لا تخدم المصالح الوطنية المباشرة لشعبه، بل تؤدّي إلى قتلهم، وتدمير ممتلكاتهم، وتهجيرهم، وإفقارهم.. وتعميق الأزمات الإقتصادية، وتحويل الأرض اللبنانية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بالوكالة لصالح أطراف خارجية كإيران...

ما هي أوراق القوّة التي تنازلت عنها السلطة اللبنانية يا حضرة الشيخ نعيم قاسم؟ وهل تركَ "حزب الله" أوراق قوّة للدولة اللبنانية بعدما صادرَ منها قرار السلم والحرب وزجّها في حروب لا علاقة لها بها؟

إنّ تفرُّد "الحزب" بفتح "جبهة الإسناد" في تشرين الأول 2023 وفي آذار 2026، دون موافقة الحكومة أو المجلس النيابي، ألغى دور المؤسّسات الدستورية وجعلَ الدولة في موقِع "المُتلقّي" لنتائج حرب لم تختٰرها، وأصبحت الدولة اللبنانية عاجزة عن فَرض شروطها أو تطبيق القرارات الدولية (مثل القرار 1701والقرار 1559) لأنّ القوّة العسكرية الفعليّة على الأرض ليست بيد الجيش اللبناني وحده...

لقد ربطَ "الحزب" مصير لبنان بمصالح محاور إقليمية (تحديداً بإيران)، ممّا عزلَ لبنان عربياً ودولياً، وحرمَ الدولة من شبكة أمانها الإقتصادي والدبلوماسي التقليدي.. ف"صناعة القرار" هي أولى وأهمّ أوراق القوّة التي خسرها لبنان الرسمي بعدما سلبها منه "حزب الله"...

تَسعى الدولة اللبنانية حالياً إلى تثبيت سلطتها الأمنية ميدانياً، وتدفع باتجاه تنفيذ الإتفاق الإطاري المبني على "نزع سلاح حزب الله"، والإنسحاب الإسرائيلي التدريجي مع بدء الإنتشار التجريبي الفعلي للجيش اللبناني في مناطق الجنوب...

لم يعُد لبنان الرسمي يُعوّض "خسارة القرار" بالنصوص، بل يحاول عبر أدوات دستورية، وقرارات حكومية صارمة، واتفاقات دولية.. تفكيك حالة "مصادرة القرار" وفرض سيادة الدولة بقوّة القانون والمؤسّسات...

ما أصدقَ هذا القول:

" إذا كثُرت الرؤوس التي تأمر في بلد واحد.. ضاعت الرعية وتلاشَت هيبة الدولة".

باحث وكاتب سياسي