مايز عبيد

نفايات طرابلس: من تعطيل المعالجة إلى ترحيل المشكلة إلى عكار!

7 دقائق للقراءة

باتت طرابلس اليوم أمام مشهد لا يحتاج إلى كثير من الشرح: نفايات تغزو الشوارع، ومستوعبات تفيض، وروائح خانقة، وأهالٍ يصرخون من واقع بيئي وصحي بات يهدد المدينة وأهلها. في المقابل، تقف المدينة أمام مجلس بلدي واتحاد بلديات يواجهان سلسلة من الملفات والأزمات، من دون أن يكون لديهما أي خطة واضحة للمعالجة.

من النفايات إلى "البارك ميتر"، ومن التعديات إلى الفوضى التي تتمدد في الشوارع والأحياء، تتراكم الملفات، فيما تبدو المدينة وكأنها تنتقل من أزمة إلى أخرى. واليوم، وبدلا من أن تظهر خطة واضحة لمعالجة أزمة النفايات من جذورها، يعود إلى الواجهة طرح نقل نفايات طرابلس إلى عكار. ففي عهد وائل زمرلي في رئاسة اتحاد بلديات الفيحاء، وعبد الحميد كريمة في رئاسة بلدية طرابلس، وهو عهد سمّى نفسه "تغييريًّا"، تواجه المدينة واحدة من أصعب أزمات النفايات، فيما يبقى المواطن الطرابلسي الحلقة الأضعف والأكثر دفعًا للكلفة. ومع تفاقم الأزمة، جرى مؤخرًا تخفيف الضغط عن المكب عبر إرسال النفايات إلى معمل الفرز في طرابلس، الذي كان يُفترض أن يشكّل جزءًا أساسيًّا من منظومة المعالجة، قبل أن يتم تعطيله لأسباب لا تمت إلى مصلحة المدينة وأهلها بشيء.


طرابلس والفُرص الضائعة:

لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه اليوم ليس فقط: أين ستذهب نفايات طرابلس؟ بل أيضًا: لماذا وصلت المدينة إلى البحث عن حل خارج حدودها، فيما كان لديها مشروع لمعالجة نفاياتها داخلها؟ ففي عام 2018، كانت طرابلس أمام مشروع فرنسي لمعالجة نفاياتها داخل نطاقها، لا لترحيلها إلى منطقة أخرى. بعد تحرك فرنسي لمساعدة طرابلس في معالجة أزمتها البيئية، زار وفد من مجلس الشيوخ الفرنسي المدينة والتقى مسؤولين واختصاصيين، من بينهم رئيس بلدية طرابلس واتحاد بلديات الفيحاء آنذاك أحمد قمر الدين، والدكتور جلال حلواني. كما عُقد مؤتمر في مجلس النواب حول جعل طرابلس نموذجًا للمدينة الخضراء. وفي كانون الأول من العام نفسه، توجّه وفد بلدي من طرابلس إلى فرنسا، ضم أحمد قمر الدين ونور الأيوبي وجلال حلواني، حيث عقد لقاءات في مجلس الشيوخ الفرنسي، قبل أن ينتقل إلى مصنع "3WAYSTE" للاطلاع على تقنية فرز ومعالجة النفايات. وكان المشروع يقوم على فرز النفايات ومعالجة مكوناتها، بحيث تتحول المواد العضوية إلى سماد يمكن استخدامه في الزراعة، فيما تُستخرج المواد القابلة للتدوير من البلاستيك والزجاج والكرتون وغيرها، ولا يُطمر سوى الجزء غير القابل للاستفادة.

وبحسب أعضاء من المجلس البلدي السابق ومتابعين للملف في تلك الفترة، لم يكن وائل زمرلي الذي يشغل حاليًّا رئاسة اتحاد بلديات الفيحاء (طرابلس، البداوي، الميناء، القلمون) مجرد حاضر في هذه النقاشات، بل كان في كل الأوقات معترضًا على المشروع ويدفع باتجاه تعطيله. ووفق المصادر عينها، كان المشروع قد قطع مراحل متقدمة، من تحديد الموقع وإعداد التصاميم الأولية ودراسة الأثر البيئي، فيما كان التمويل جاهزًا، بصفر تكلفة على الخزينة العامة وخزينة اتحاد بلديات الفيحاء.


فرصة اقتصادية مهدورة

الأهم أن المشروع لم يكن مجرد معالجة تقنية للنفايات، بل كان يحمل معه فرصة اقتصادية كاملة متكاملة. أما النفايات العضوية التي تذهب إلى الطمر، فكان يُفترض تحويلها إلى سماد، فيما يمكن استرداد المواد القابلة للتدوير والاستفادة من قيمتها، مع خفض الكميات التي تحتاج إلى الطمر. وبحساب تقريبي لقيمة المواد التي كان يمكن استردادها من نفايات طرابلس، إلى جانب الوفر الناتج عن خفض الكميات المرسلة إلى الطمر، يمكن تقدير ما تخسره المدينة سنويًّا بنحو 2 إلى 3 ملايين دولار نتيجة عدم تحويل نفاياتها إلى مورد قابل للاستفادة. ولو أُقرّ المشروع ونُفّذ منذ عام 2018، واستمرت هذه المنظومة طوال السنوات الثماني الماضية، لكان من الممكن، وفق هذا التقدير التقريبي، أن تكون طرابلس قد وفّرت ما بين 16 و24 مليون دولار حتى اليوم، فضلا عن العائد الاقتصادي من المواد القابلة للتدوير والسماد، وعن الكلفة البيئية والصحية التي كان يمكن الحد منها. أي إن ما ضاع لم يكن مجرد مشروع لمعالجة النفايات، بل فرصة اقتصادية طويلة الأمد كان يمكن أن تخفف الأعباء عن المدينة وبلديتها، وتحوّل نفاياتها إلى مورد مادي، مثلما يحصل في العديد من البلدان المتقدمة، بدلا من أن تبقى عبئًا ماليًّا وبيئيًّا.

وهنا تكمن المفارقة بكل قسوتها. طرابلس التي كانت عام 2018 تبحث، بمساعدة فرنسية، عن تقنية لمعالجة نفاياتها داخل المدينة، تجد نفسها بعد ثماني سنوات أمام طرح مرفوض، يقضي بنقل نفاياتها إلى عكار. والأكثر إيلامًا أن النفايات التي كان يمكن تحويلها إلى سماد يستفيد منه القطاع الزراعي، ولا سيما مزارعو عكار، يجري اليوم البحث عن نقلها إلى عكار نفسها كنفايات تحتاج إلى مكان لطمرها.

رئيس اتحاد بلديات الفيحاء وائل زمرلي، الذي يطرح اليوم نقل نفايات طرابلس إلى عكار باعتباره الحل الوحيد الموجود أمام المدينة، كان اسمه حاضرًا في النقاشات التي دارت حول مشروع مختلف تمامًا لمعالجة هذه النفايات. ومن حق المدينة وأهلها اليوم أن يسألوه: لماذا عارض، وآخرون، المشروع في حينه، كما يشير أعضاء من المجلس البلدي السابق ومتابعون للملف في تلك الفترة؟ ولماذا تركوا طرابلس تدفع كل هذه الأثمان ماليًّا وبيئيًّا واقتصاديًّا، ثمن ضياع هذا الملف؟


خارطة طريق

رئيس لجنة البيئة والطاقة في المجلس البلدي الأسبق، المهندس محمد نور الأيوبي، كان قد تقدّم بكتاب موجّه إلى وزير البيئة في ذلك الحين ناصر ياسين، ورئيس بلدية طرابلس وقتها رياض يمق، والمسجّل لدى دائرة أمانة البلدية بالرقم 232 بتاريخ 02/05/2024، حدّد فيه بوضوح ما هو مطلوب لمعالجة أزمة النفايات، بما يشكّل عمليًّا "خارطة طريق" كاملة لمعالجة الأزمة من جذورها، وليس الاكتفاء بالحلول الترقيعية والموقتة. في تلك المرحلة، لم تكن لدى البلديات الصلاحيات الكافية ولا هامش اللامركزية الذي يتيح لها معالجة ملف بهذا الحجم من دون العودة إلى الحكومة والوزارات المعنية. أما اليوم، فقد تغيّر الواقع، بعدما أنجز مجلس النواب قوانين لهذا الشأن، وأصبحت الدولة والوزارات المعنية تقول للبلديات: خذوا استقلاليتكم، وقوموا بعملكم وأنجزوا. بالتالي، لم يعد يفيد الندب على وسائل التواصل، ولا تبادل المسؤوليات أو إطلاق الكلام من خارج إطار الحلول العملية. المطلوب اليوم هو العمل، خصوصًا أن الكتاب حدّد بوضوح الشروط الأساسية للبدء بالمعالجة، وهي ثلاثة: موافقة مجلس الوزراء على توقيع اتفاقية مع اتحاد بلديات الفيحاء، وتأمين الكفالة المصرفية، وتأمين مساحة الأرض اللازمة للمشروع.


الأرضية موجودة

إذًا، لدى المجلس البلدي الحالي واتحاد بلديات الفيحاء اليوم أرضية يمكن البناء عليها، وأكثر من نصف الطريق قد أُنجز، فالدراسات والخطط موجودة، وما تبقّى هو عرض المشروع على الجهات المانحة، لكن أن تعطي هذه الإدارة للجهات المانحة الثقة والانطباع بأنها تستحق هذا الدعم والتمويل، وقادرة على تحويل المشروع إلى إنجاز فعلي على الأرض. بمعنى آخر، خارطة الطريق موجودة، والدراسات موجودة، وما ينقص هو الانتقال من الكلام إلى التنفيذ، ووضع هذا الملف على سكة المعالجة الجذرية.

مسكينة طرابلس، متروكة وحيدة، والنفايات تكتسح شوارعها. أما بعض المتباكين بالأمس بحجة الدفاع عن مصالحها، فيبدو أن همهم كان لا يتجاوز الوصول إلى كرسي المسؤولية من دون امتلاك أي رؤى أو خطط لمعالجة مشاكلها التي زادت أكثر في أول سنة ونصف من عهدهم.


الكتاب الذي حُدّد فيه بوضوح ما هو مطلوب لمعالجة أزمة النفايات