أمجد اسكندر

الحزب يجرّد الدولة من سلاح الوقت

3 دقائق للقراءة

مما لا شك فيه أن للذكاء الاصطناعي سهمًا كبيرًا في الهزائم العسكرية التي مُني بها "حزب الله". وإسرائيل رائدة في هذا المجال، ومتفوّقة فيه على دول كثيرة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع التكنولوجيا عامة، وهذه الأداة الجبارة تحديدًا، أن تُحدث، على مراحل، تغييرًا في اقتناعات بيئة "الحزب"؟

أحلت السؤال إلى تطبيق Claude، فأجاب بالنفي. ومما كتب: "من يتصور أن خوارزمية تفكّك هذا كله، فهو يستخف بتعقيد هذه البيئة". وأعتقد أنه لا أمل في المراهنة على عوامل يمكنها أن تُباعد، إلى حد كبير، بين "الحزب" و"شعبيته". كان ذلك ممكنًا في السنوات الأولى لنشأته، أما اليوم فلم يعد هناك "حزب" و"بيئة حزب" بالمعنى الذي يسمح بالفصل بينهما؛ فعوامل كثيرة جعلت الاثنين كيانًا واحدًا. وكذلك لم يعد هناك "حزب" و"سلاح حزب"؛ إذ كيف يمكن إقامة "جمهورية إسلامية" في لبنان من دون العنف المسلح؟

في ضوء هذه المعطيات، تبدو محاولات البحث عن حلول سياسية أو تسويات مع هذه الجماعة مضيعة للوقت. ومحاولات الدولة الجديدة البحث عن طرق بديلة تبدو أقرب إلى البحث عن معجزة. فالتاريخ اللبناني لا يورد واقعة واحدة لتغيير كبير في التوازنات الداخلية جرى من دون القوة العسكرية. وأقرب مثال على ذلك "اتفاق الدوحة"، الذي فرضته أحداث "7 أيار".

والهروب المستمر إلى الأمام لن يقود إلا إلى واقع ميؤوس منه. فالحزب بدأ يجرّد الدولة من سلاح الوقت، بدلا من أن تجرّد الدولة "الحزب" من سلاحه. وإذا عدنا خمسين سنة إلى الوراء، لا نجد قرارًا كبيرًا تأخر تنفيذه أكثر من سنة ثم عاد ونُفّذ. ولهذا تبدو الأمور متجهة، بصورة تلقائية، إلى إعلان سقوط هذا النظام الذي بُني على "اتفاق الطائف" من دون تنفيذ "الطائف".

ومن هنا، فإن البدء في طرح البدائل ليس مشروعًا فحسب، بل أصبح أمرًا ملحًّا، ما لم تبادر الدولة إلى وضع خطة إنقاذ جديدة، بمواعيد محددة وواضحة. خطة جريئة وصريحة تقول: لا سبيل إلى الانسحاب الإسرائيلي قبل سحب السلاح، إذ لا توجد، في سوابق التاريخ، دولة ضعيفة في داخلها استطاعت أن تربح معركة خارجية.

وقبل الكلام على الموازين العسكرية، وبمعزل عن مكامن القوة المتراكمة في إسرائيل اقتصاديًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا، يبقى السؤال الأكثر مباشرة: هل يستطيع لبنان و "الحزب" وإيران، مجتمعين، أن يقارعوا إسرائيل في معركة الذكاء الاصطناعي؟

المعركة، بكل أشكالها العسكرية والاقتصادية والسياسية، غير متكافئة على الجبهة الإسرائيلية، لكنها أكثر من ممكنة داخليًّا. فهنا لا تحتاج الدولة إلى التفوق على إسرائيل، بل إلى أن تستعيد ما فقدته من قدرة على الفعل. وهنا لا تكون المسألة في امتلاك التكنولوجيا الأحدث، بل في امتلاك القرار الأوضح، والإرادة التي لا تتراجع أمام الأمر الواقع.

فحين يصبح الانتظار سياسة، يتحول الأمر الواقع إلى نظام مشوّه. وما تؤجله الدولة اليوم لن يصبح غدًا أكثر قابلية للحل، بل أكثر كلفة وتعقيدًا. فالوقت ليس محايدًا في هذه المعركة.