عيسى يحيى

في بعلبك-الهرمل لقاء يعيد رسم المشهد من القاعدة

4 دقائق للقراءة
من لقاء العائلات والعشائر الذي دعا إليه المهندس علي صبري حمادة

لم يكن لقاء العائلات والعشائر الذي دعا إليه المهندس علي صبري حمادة، رئيس حركة قرار بعلبك الهرمل، مجرد اجتماع جماهيري اعتراضي في منطقة اعتادت اللقاءات والبيانات، بل بدا كأنه محاولة جدية لإعادة ترتيب المشهد من داخله، عبر جمع مروحة واسعة من العشائر والعائلات والفعاليات حول عناوين تتصل مباشرة بحياة الناس ومستقبل المنطقة.

وإن كان اللافت في اللقاء حجم الحضور وتنوعه، إلا أن النقاش لم يبقَ محصورًا في الاصطفافات السياسية التقليدية، بل ذهب إلى ملفات الدولة والإنماء والاقتصاد ودور أبناء المنطقة في تحديد خياراتهم، ما أعطى اللقاء بعدًا يتجاوز المناسبة، ويجعله محطة لافتة في المشهد السياسي والاجتماعي في بعلبك الهرمل، خصوصًا في مرحلة تتكاثر فيها الأزمات وتتراجع فيها قدرة الناس على تحمّل المزيد من الانتظار.

في منتزه هياكل بعلبك حيث أقيم اللقاء، قدم طارق دندش للاحتفال، وشددت كلمات كل من حسان الرفاعي وطلال المقدسي وحنا الخوري على أهمية حضور الدولة وتعزيز الإنماء، وربط أي معالجة جدية لأوضاع المنطقة بإعادة الاعتبار إلى المؤسسات الرسمية والمشاريع التي تمس حياة الناس مباشرة.

ولأن بعلبك الهرمل ليست مجرد مساحة انتخابية تُستعاد في مواسم الاستحقاقات، ولا مجرد منطقة تُستحضر عند الحديث عن الحرمان، بل بيئة اجتماعية لها مصالحها وهواجسها وأسئلتها، ومن الطبيعي أن تبحث عن حضور سياسي يعبّر عنها ويتحدث بلغة الدولة والإنماء والحقوق. ومن هذه الزاوية تحديدًا، جاء اللقاء في محاولة لإعادة وضع العامل الشعبي في قلب المعادلة، لا على هامشها، وللتأكيد أن التمثيل السياسي لا يُقاس فقط بعدد المقاعد، بل أيضًا بمدى القدرة على حمل قضايا الناس وتحويلها إلى عناوين سياسية واضحة.

ثم جاءت كلمة حمادة لتوسع إطار النقاش، واضعةً قضايا المنطقة ضمن المشهد اللبناني الأوسع. فتوقف عند المأزق السياسي والسيادي الذي يعيشه لبنان، معتبرًا أن الاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي من جهة، ومسألة حصر السلاح بيد الدولة من جهة أخرى، يشكلان عنوانين أساسيين في الأزمة الوطنية، وأن الخروج منها لا يكون إلا عبر بناء دولة متماسكة تستند إلى الدستور والقوانين.

وشدد حمادة كذلك على وقف خطاب التخوين والانقسام، معتبرًا أن اللبنانيين دفعوا أثمانًا كبيرة نتيجة الانقسامات، وداعيًا إلى علاقات سوية ومتوازنة مع سوريا انطلاقًا من حق الجوار والمصالح المشتركة.

اقتصاديًا، انتقل حمادة إلى ملف الانهيار وأموال المودعين، منتقدًا ما وصفه بأداء الطبقة السياسية والمافيات المالية، ومتوقفًا عند أصول الدولة وذهبها وعقاراتها وشركاتها، باعتبارها مقدرات يمكن توظيفها في معالجة الأزمة وإعادة إطلاق القطاع المصرفي بعد إعادة هيكلته.

أما بعلبك الهرمل، فحضر حرمانها في صلب الكلمة، من خلال التوقف عند مشاريع وملفات إنمائية، بينها سد العاصي وتفعيل قانون القنب الهندي، بما يربط بين أي مشروع سياسي وبين توفير فرص اقتصادية وتنموية فعلية لأبناء المنطقة.

وطرح حمادة خمسة عناوين للحل: تغيير ممثلي السلطة عبر الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية، اعتماد شراكة منظمة بين الدولة والقطاع الخاص، الاستفادة من أصول الدولة والذهب لمعالجة أزمة الودائع، وقف خطاب التخوين، ومد جسور التعاون الندي مع سوريا.

بهذه العناوين، أراد حمادة أن يضع اللقاء في إطار أوسع من مجرد تجمع للعائلات والعشائر، وأن يقدم له مضمونًا سياسيًا واقتصاديًا وإنمائيًا. وفي منتزه هياكل بعلبك، بدا المشهد واضحًا: حضور شعبي واسع، عناوين إنمائية وسياسية متقاطعة، وكلمة حمادة التي نقلت النقاش من حدود المنطقة إلى مساحة الأزمة اللبنانية بكل تعقيداتها.