فوجئ العديد من المراقبين بأعمال الشغب والتخريب واسعة النطاق التي اجتاحت الثانويات في فرنسا الأسبوع الماضي تحت ذريعة الاحتجاج على ظروف الدراسة. غير أن تلك الأحداث لا يجب أن تفاجئ أحدًا، فهي تجسّد النتيجة الطبيعية لتزاوج سياستين اعتمدتهما الحكومات الفرنسية المتعاقبة على مدى عقود، وهما استقبال أعداد هائلة من المهاجرين من دول العالم الثالث، وتحمّل الدولة أعباء تعليمهم وتعليم أولادهم وتقديم مجموعة من الخدمات الأخرى إليهم. تسبّبت تلك السياستان بمشكلتين جوهريتين لم يعد بإمكان فرنسا الهروب منهما، واللتين تتمثّلان في مجتمع من المهاجرين غير المندمجين يزداد عددًا وتقلّ قدرة السلطات على ضبطه، وقطاع عام يثقل كاهله العدد المتزايد من المستفيدين منه وعدم قدرة الدولة على فرض المزيد من الضرائب لتمويله من دون الإضرار بالاقتصاد.
قدّر وزير التربية الوطنية الفرنسي إدوار غيفري أن ما بين 400 و500 مدرسة ثانوية تعتزم تعليق الدروس كليًا أو جزئيًا اليوم، وهو مستوى مماثل لذلك الذي سُجّل يوم الجمعة الماضي. وشهد يوم الجمعة أكثر من 1700 عملية توقيف نفّذتها قوات الأمن، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 5000 منذ الاثنين الماضي. وأكد غيفري إصابة "78 من العاملين" في قطاع التربية الوطنية "منذ بداية الأحداث"، وتعرّض 24 مؤسسة تعليمية "للحرق أو التخريب"، مشيرًا إلى أن "هناك ناشطين، ولا سيّما من اليسار المتطرّف، تسلّلوا إلى حركة طلّاب المدارس الثانوية، وانتزعوا الحركة من أيدي التلامذة، وكانوا عنيفين للغاية". ودعت المنظمات الطلّابية في المدارس الثانوية إلى مواصلة التحرّك، وحدّدت يوم غد موعدًا لـ"الفصل الثالث" منه.
كانت الاحتجاجات تركّز أساسًا على مسائل مهمة أبرزها غياب المدرسين، وظروف الدراسة داخل الفصول، والجداول المدرسية المثقلة، واليوم الدراسي الذي يمتدّ من الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً. لكن يعود تمدّدها واتخاذها طابعًا عنيفًا وتخريبيًا إلى استغلال حزب "فرنسا الأبية" اليساري المتطرّف الحركة قبل ما يزيد قليلًا على ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية التي يخوضها زعيمه جان لوك ميلنشون. بالإضافة إلى ذلك، استغلّ الحركة الاحتجاجية أيضًا عدد كبير من المهاجرين من دول العالم الثالث وأولادهم الذين لا يفوّتون فرصة للتعبير عن كرههم لفرنسا وعدم تقديرهم للخدمات التي يحصلون عليها في بلدهم الجديد والتي ما كانوا ليحلموا بالاستفادة منها في بلدانهم الأساسية. وكالعادة، رفرفت أعلام الجزائر والمغرب وفلسطين خلال عدد من التظاهرات العنيفة.
لا يُمكن أن تحافظ فرنسا على استقرارها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على المديين المتوسط والبعيد إذا لم تكن مستعدّة لاعتماد حلول جذرية تعالج مسائل الهجرة واللجوء والمجتمعات غير المندمجة على المدى القريب، فضلًا عن ضرورة تقليص الخدمات المجانية التي تقدّمها الدولة لأن تلك الخدمات باتت تتراجع جودتها نظرًا إلى العدد المتزايد من المستفيدين منها، فيما تثقل كاهل العامل الفرنسي ضرائب مرتفعة لا يُمكن مواصلة زيادتها من أجل تغذية القطاع العام. ويشي تقدّم مرشحة اليمين الحازم للانتخابات الرئاسية مارين لوبن في استطلاعات الرأي بأن جزءًا مهمًا من الفرنسيين بات يعي خطورة استمرار الوضع الحالي وأهمية إحداث تغيير جذري في مقاربة الدولة والنخب السياسية لتلك المسائل.
من جهة أخرى، دان نظام المجازر والإعدامات في طهران استخدام ما وصفه بـ"العنف المفرط" ضدّ طلّاب الثانويات في فرنسا، بعدما كان الملالي قد قتلوا عشرات الآلاف من مواطنيهم الثائرين خلال يومين في كانون الثاني الماضي، في مجزرة دموية جديدة جاءت في سياق نهج القمع الظلامي الذي قام عليه النظام الإيراني منذ نشأته. واستمرّت حملة القمع في إيران بعد ثورة كانون الثاني، بحيث نفّذ النظام عددًا كبيرًا من الإعدامات والاعتقالات بحق مشاركين في الثورة، لكن كلّ ذلك لم يمنعه من التنظير بشأن العنف المفرط والحقوق الفردية والحرّيات الأساسية لأنه لا يتمتع بأي ضوابط أخلاقية.