حوّلت مسرحية "زينا لبست خلخالها" الخاص إلى عام، من خلال نقل السيرة الذاتية للممثلة والمخرجة زينة دكاش إلى المسرح، عبر دمج التوثيق الحي "لأجزاء من الواقع" ببعض الخيال المضاف إلى قصة أوتوبيوغرافية لامست قلوب المشاهدين سريعًا. وجسّد الكاتب والمخرج كريم شبلي دور الشقيق البكر الذي توفي فتيًا منذ أعوام طويلة بسبب المرض، ليواكب مع شقيقته ما فاته في هذه الفانية، ومنه فقدان والدَيهما إيلي وفرجيني، وما رافق مراسم العزاء وما بعدها من سلوكيات مربكة من "البيئة الحاضنة" تجاه الوريثة.
تحوّل العرض المسرحي على خشبة "مسرح المونو" في الأشرفية، والذي كتبه وأخرجه زينة دكاش وكريم شبلي، إلى مرآة جماعية حملت إلى بعض الحاضرين البسمة أحيانًا والدمعة أحيانًا أخرى، انطلاقًا من تجربة شخصية عاشها المشاهد مع معاناة الفقد. وأنا من بينهم، وقد عانيت ألمًا لا حدود له إثر فراق شقيقتي المفاجئ منذ نحو سبع سنوات.
هذه المرة، تمايز مسرح دكاش، المعروف بالتزامه قضايا الفئات المهمشة والمنسية وحقوقها في مجتمعنا، بأنه فسح المجال لها لتعيش شخصيًا، ونحن معها، "العلاج بالفن" من خلال مواجهة الماضي ومعالجة الصدمات عن طريق التفريغ الانفعالي المجسَّد بالكتابة.
لنبدأ بالنص. تتشابه الأفكار الرئيسية العامة لحياة زينة دكاش قبل الشهرة، طبعًا، مع ما تمر به غالبية العائلات اللبنانية عند تعاطيها مع فقدان ابنها الوحيد، أو أحد الوالدَين، أو كليهما، بسبب المرض أو تقدّم العمر، مع فارق مهم هو أن دكاش وشبلي أرادا إعطاء هذه التجربة بعدًا فنيًا وإنسانيًا ونفسيًا جعل العمل يلامس قلوب الحاضرين بصورة أسرع، ويبكيهم على بعض المواقف المضحكة، كالألغاز المثيرة جدًا، وشوقًا إلى الغائبين الحاضرين في حياتنا.
غياب فاضح
يُسجّل هنا غياب فاضح للأم في النص عمومًا، إذ اقتصر حضورها على تقديم دكاش دور أمها العجوز متلقية التعازي بفقدان زوجها، وذكر اسمها، أي فرجيني، في سياق قراءة نعيها. سيطر "النظام البطريركي" على تربية الولدَين، وترسّخت، بعد رحيل الفتى، العلاقة بين الفتاة ووالدها، وصولا إلى قبول زينا لبس خلخالها، الذي أعادها إلى الجمال والأنوثة وحياتها الحالية.
لم يتطرّق النص حتى إلى أي إشادة، ولو عابرة، بدور الأم في إدارة شؤون المنزل أو الإشراف على الطبخ وما شابه، أو إلى إدلائها بنصيحة لابنتها أو لزوجها، ما يقلّص دور الأمومة ويمهّد لسيطرة ذكورية من الأب على الجو العام للبيت وعلى ابنته. لكن زينة دكاش كانت، كعادتها، على طبيعتها: مقاومة، ملتزمة ومتمردة على ذاتها. وكسرت فورًا، كعادتها أيضًا، المسافة مع المشاهد.
لقد استطاعت دكاش أن تعطي للحياة، التي لا معنى لها فعليًا، ولا سيما عند مواجهة الموت، معنى من خلال المسرح. وظهرت متمردة ومتألقة في أدوار عدة، منها وقوفها في زاوية الخشبة تستعيد الحديث مع والدها، بوصفه ركنًا أساسيًا في البيت، من دون أن يمر أي كلام أو تشاور مع أمها.
سلاسة الحوار
ظهرت خلال العرض المسرحي أيضًا سلاسة في الحوار بين زينة دكاش وكريم شبلي، ما ولّد تفاعلا وكيمياء بين الممثلين. ونجح شبلي في ترسيخ البعد الإنساني داخل العلاقة الأخوية مع دكاش بصفتها شقيقته في المسرحية. كما عكس أداؤه الفني الدور الأساسي للشقيق في دفع شقيقته نحو بناء مستقبل رغم الشوائب كلّها.
ولا بد من التوقف كذلك عند الديكور البسيط للمسرح، من دون تكلّف، إذ اقتصر على توزيع مجموعة من الصناديق الكرتونية ضمن مساحة محددة وصغيرة، تحوي ملفات الإرث وصورًا من ذكريات العائلة. مع العلم أنه سبق لكريم شبلي أن استعان، في مسرحيته مع كاتي يونس "الفرار"، بالصناديق الكرتونية كأحد العناصر البصرية الأساسية على الخشبة، لتجسيد فكرة "توضيب الأغراض" أو التشتت أو الاغتراب، ما يطرح فعليًا جدوى تكرار الوسيلة البصرية نفسها في مسرحية أخرى.
ويبقى التوقف عند الإضاءة، التي واكبت الكلام وفصول النص بأسلوب سلس، وانتقلت بين مراحل القصة إلى أن "تلبس زينا خلخالها".
*مسرحية "زينا لبست خلخالها"، مع زينة دكاش وكريم شبلي، مستمرة حتى 21 تشرين الأول 2026 على "مسرح المونو" في الأشرفية.