بين غموض العنوان وعمق الحكاية، يقدّم المخرج والكاتب والممثل رالف س. معتوق، إلى جانب الممثلة يمنى بو حنا، تجربة مسرحية جديدة بعنوان "بعدك"، انطلقت عروضها في 7 تشرين الأول الجاري على مسرح "District 7" في الصيفي - بيروت. لا تتوقف المسرحية عند حدود قصة حب، إذ تفتح، من خلف العلاقة العاطفية التي تشكّل محور العمل، أبوابًا على قضايا أكثر التصاقًا بالإنسان، من تحديات العلاقات والضغوط اليومية إلى الصحة النفسية، التي تحضر في صلب الحكاية بوصفها جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان، لا موضوعًا هامشيًا أو مؤجلا.
بالنسبة إلى معتوق، لا تبدأ الكتابة من فكرة جاهزة بقدر ما تولد من سؤال أو موضوع يثير لديه ما يسمّيه "الاستفزاز الإيجابي أو السلبي". ومن هنا جاءت "بعدك". فالفكرة، كما يقول صاحبها في حديثه إلى "نداء الوطن"، وإن كانت من نسج الخيال، لم تُكتب بمعزل عن الواقع. وقبل أن يضع معتوق تفاصيل الشخصيات والأحداث على الورق، اختار أن يقترب من الموضوعات التي يتناولها من خلال البحث والتعمّق، خصوصًا أن العمل يلامس جوانب اجتماعية وعاطفية ونفسية حساسة. وهكذا، لا تأتي المسرحية بوصفها قصة حب منفصلة عن محيطها، بل حكاية تتقاطع فيها المشاعر مع الواقع، والأحلام مع الضغوط، والعلاقات مع الأسئلة التي يواجهها الشباب في حياتهم اليومية.
مساحة للتأويل
منذ اللحظة الأولى، يترك عنوان المسرحية "بعدك" مساحة واسعة للتأويل. كلمة واحدة، لكنها تحمل أكثر من احتمال، وتطرح سؤالا قبل أن تبدأ الحكاية. وهذا الغموض مقصود بالنسبة إلى معتوق، الذي أراد للعنوان أن يكون جزءًا من اللعبة الدرامية، لا مجرد تسمية للعمل. "بعدك" لا يقدّم الإجابة، بل يترك المشاهد أمام سؤال يرافقه إلى المسرح، ثم يدفعه إلى اكتشاف المعنى الحقيقي للكلمة مع تطوّر الأحداث.
لم يكن اختيار يمنى بو حنا لبطولة المسرحية قائمًا على موهبتها وحرفيتها في الأداء فحسب، بل جاء أيضًا انطلاقًا من مدى ملاءمة حضورها وملامحها للشخصية التي كتبها معتوق. واللافت أن الشخصية التي تؤديها تحمل اسم "يمنى" أيضًا، وتحمل في داخلها الكثير من الصفات التي تجدها الممثلة قريبة منها، بحسب ما قالت لـ "نداء الوطن". و "يمنى" شخصية حالمة ومتمردة، فنانة وعاطفية، لكنها في الوقت نفسه عملية وقادرة على التعامل مع الحياة ومتغيراتها. غير أن التشابه لا يعني التطابق. فـ "يمنى"-المسرحية أكثر سرعة في الانفعال واندفاعًا في مواجهة الأحداث، فيما تصف يمنى بو حنا نفسها بأنها أكثر هدوءًا واتزانًا في التعامل مع المواقف.
جدير بالذكر أن هذا التعاون بين معتوق وبو حنا يأتي امتدادًا لتجربة سابقة جمعتهما في عمل تلفزيوني، قبل أن ينتقل تعاونهما هذه المرة إلى المسرح.
حب وأسئلة
في الظاهر إذًا، تدور "بعدك" حول قصة حب كبيرة. إلا أن رالف س. معتوق لا يريد لهذه القصة أن تعيش في عالم منفصل عن الواقع، أو أن تقدّم الحب بصورة مثالية بعيدة من تعقيدات الحياة. فالعلاقات العاطفية، كما يراها معتوق، تتأثر بالظروف والضغوط والمشكلات والعراقيل التي يعيشها الشباب اللبناني والعربي. ومن هنا، تتحوّل قصة الحب إلى مدخل لطرح أسئلة أوسع حول الإنسان واختياراته، وقدرته على الاستمرار، وما يواجهه من تحديات حين تتقاطع مشاعره مع واقع لا يسير دائمًا كما يشتهي. إنها حكاية عاطفية، نعم، لكنها تحاول في الوقت نفسه أن تقول شيئًا عن الحياة التي تحيط بهذه العلاقة.
وفي قلب "بعدك"، يحضر موضوع الصحة النفسية بوصفه أحد المحاور الأساسية في العمل. ولأن الاقتراب من هذا الملف يحتاج إلى حساسية ومعرفة، لم يعتمد معتوق على الخيال وحده، بل استعان، خلال مرحلة البحث، بجمعية "Embrace" المتخصصة في قضايا الصحة النفسية في لبنان. هذا التعاون أتاح لمعتوق الاطلاع على معلومات ودعم مرتبطين بالموضوعات النفسية التي يتناولها النص، بما يساعد على تقديم العمل ضمن معالجة أكثر وعيًا ومسؤولية.
أما الممثلة يمنى بو حنا، فتوجّه من جهتها رسالة إلى الجمهور مفادها أن الصحة النفسية لا ينبغي أن تصبح أولوية فقط عندما يصل الإنسان إلى مرحلة الانهيار، بل ينبغي أن تكون جزءًا من العناية اليومية بالذات، تمامًا كما يهتم المرء بصحته الجسدية.
رسالة إلى المرأة
ولا تغيب المرأة عن رسائل العمل، إذ ترى بو حنا أن الشخصية التي تقدّمها على الخشبة تحمل أيضًا رسالة تتعلّق بالإصرار والمقاومة وعدم الاستسلام. فالمرأة هنا مطالبة بألا تتخلى عن أحلامها أمام الصعوبات، وأن تواصل طريقها مهما كانت الظروف قاسية. رسالة لا تأتي في قالب شعاري، بل تنطلق من تجربة شخصية تعيشها الشخصية ضمن أحداث المسرحية.
ربما لا يريد صانعا "بعدك" لها أن تكون مسرحية تنتهي مع إسدال الستارة. فبالنسبة إلى رالف س. معتوق، لا تُقاس قيمة العمل فقط بما يحدث خلال العرض، وإنما بما يتركه من أثر بعده. والطموح هو أن يغادر المشاهد القاعة حاملا معه سؤالا أو فكرة أو إحساسًا، وأن تستمر الحكاية في نقاش بين شخصين، أو في سؤال يطرحه أحدهم على نفسه، أو في حديث عن الحب والعلاقات والصحة النفسية لم يكن ليبدأ لولا ما شاهده على الخشبة. هنا تحديدًا تكتسب "بعدك" معناها الأوسع: تنتهي الحكاية على الخشبة، لكن أثرها الحقيقي يبدأ بعد أن يغادر الجمهور القاعة.
* "بعدك"، تأليف وإخراج رالف س. معتوق وتمثيله مع يمنى بو حنا، على مسرح "District 7" شارع يوسف هاني - الصيفي - بيروت.