لبنان أمام امتحان كبير، وربما أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخه الحديث، لأن ما يجري اليوم لم يعد مجرد أزمة عابرة يمكن احتواؤها بتسوية جديدة أو تأجيل استحقاق إلى موعد آخر، بل بات مواجهة حقيقية مع سؤال الدولة نفسها، مع معنى السيادة والاستقلال، ومع قدرة المؤسسات اللبنانية على استعادة القرار الوطني كاملاً. لم يعد السؤال فقط ماذا سيحدث في الجنوب، ولا إلى أين ستصل المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، ولا كيف ستتطور المواجهة الإقليمية، فكل هذه الملفات مهمة، لكنها في نهاية المطاف تدور حول جوهر واحد هو من يملك قرار لبنان، ومن يقرر الحرب والسلم، ومن يتحمل مسؤولية حماية اللبنانيين ومستقبلهم.
لقد وصلنا إلى لحظة لم يعد فيها ممكنًا الاستمرار في سياسة إدارة الأزمات وتأجيل الاستحقاقات، لأن لبنان لا يستطيع أن يبقى دولة مسؤولة عن النتائج فيما القرار موزع بين مؤسساتها الرسمية وقوى تملك القدرة على فرض أمر واقع خارجها، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يطالب العالم باحترام سيادته فيما مفهوم السيادة نفسه لا يزال موضع نقاش داخلي. المشكلة اللبنانية، إذًا، لا تبدأ عند الحدود ولا تنتهي في الجنوب، بل تبدأ من الداخل، من طبيعة الدولة ومن قدرتها على ممارسة سلطتها كاملة على أراضيها، ومن امتلاكها وحدها قرار الحرب والسلم. وهنا تحديدًا تكمن مسؤولية السلطة السياسية الحالية، بعدما أعلنت الدولة بوضوح أن قرار الحرب والسلم يعود إليها وأن حصرية السلاح يجب أن تكون في يد مؤسساتها الشرعية، فيما أُنيط بالجيش وضع خطة عملية لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. المبدأ إذًا أصبح واضحًا، والمطلوب لم يعد المزيد من البيانات، بل الانتقال من النص السياسي إلى التنفيذ الفعلي، من خلال مسار واضح ومتدرج وقابل للقياس، وبما يحفظ الاستقرار ويمنع الانزلاق إلى أي صدام داخلي. فحصر السلاح بيد الدولة ليس مطلبًا أميركيًا أو إسرائيليًا، ولا ينبغي أن يتحوّل إلى ورقة تفاوضية لإرضاء الخارج، بل هو قبل كل شيء حق اللبنانيين في أن تكون لهم دولة واحدة وجيش واحد وقرار واحد. وفي هذا السياق، لا يمكن المرور مرور الكرام على المواقف المتكررة لرئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، والتي تضع مسألة السيادة وحصرية السلاح في صلب النقاش اللبناني، إذ شدد في مواقفه الأخيرة على أن الدولة هي المكلّفة الدفاع عن شعبها، وأنه لا يمكن تصور عيش كريم طالما أن سلاح "حزب الله" لا يزال قائمًا، مؤكدًا أن النضال من أجل الدولة الحرة والسيدة والمستقلة يجب أن يستمر بالوسائل السلمية، مع الضغط لتسريع التنفيذ.
وهذا الموقف، بصرف النظر عن الاختلاف السياسي حوله، يضع الإصبع على جوهر المشكلة، لأن القضية ليست في إقصاء طرف أو كسر بيئة أو إلغاء حزب، بل في تحديد المرجعية التي تملك وحدها حق استخدام القوة واتخاذ قرار الحرب والسلم. ومن هنا تأتي أهمية التوقيت، فلبنان يتجه إلى جولة جديدة من المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية في تامبا ـ فلوريدا، والموعد المطروح حاليًا هو العشرون من تشرين الأول، في مسار يفترض أن يتناول تثبيت وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية والميدانية واستكمال البحث في الملفات العالقة.
وقد تنجح المفاوضات وقد تتعثر، وقد تحقق تقدمًا في ملف الحدود والترتيبات الأمنية وقد تواجه عقبات كبيرة، لكن في كل الحالات لا يجوز أن يتحول مستقبل الدولة اللبنانية إلى نتيجة معلقة على نجاح مفاوضات خارجية، لأن المفاوضات قد تعالج مشكلة الحدود لكنها لا تستطيع أن تبني الدولة اللبنانية، وقد تفتح بابًا للانسحاب الإسرائيلي لكنها لا تستطيع أن تحسم وحدها مسألة القرار السيادي اللبناني، وقد تساهم في تثبيت وقف إطلاق النار لكنها لا تستطيع أن تجيب عن السؤال الذي يجب أن يجيب عنه اللبنانيون بأنفسهم، وهو أن الدولة وحدها هي صاحبة قرار الحرب والسلم.
ولذلك يجب أن يبدأ لبنان من مشكلته الداخلية قبل أن ينتقل إلى طاولة التفاوض، فإذا نجحت مفاوضات فلوريدا يجب أن يكون لبنان جاهزًا لاستثمار النجاح في تثبيت سيادته واستعادة دوره، وإذا فشلت فلا يجوز أن تتحول النتيجة إلى ذريعة لإبقاء الوضع الداخلي على ما هو عليه، لأن أصل الأزمة سيبقى قائمًا في الحالتين، وسيبقى المطلوب دولة تملك قرارها. لكن السيادة لا تُبنى بالسلاح وحده، فالدولة السيادية تحتاج أيضًا إلى اقتصاد قادر على الحياة، ومؤسسات قادرة على العمل، وقضاء مستقل، وإدارة حديثة، وقطاع مصرفي يعيد الثقة، ومالية عامة قابلة للاستدامة. لا يمكن بناء دولة قوية باقتصاد منهار، ولا يمكن استعادة ثقة اللبنانيين والعالم إذا بقيت أموال الناس عالقة، وإذا بقيت الدولة عاجزة عن ضبط إنفاقها، وإذا استمر الهدر وتعطيل المؤسسات.
لذلك يجب أن تسير الإصلاحات المالية والمصرفية بالتوازي مع المسار السيادي، من إعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق معايير عادلة، إلى حماية حقوق المودعين ضمن الإمكانات الواقعية، وإصلاح المالية العامة ووقف الهدر وتحسين الإدارة وخلق بيئة تسمح للقطاع الخاص والاستثمارات بالعودة إلى لبنان. الإصلاح الاقتصادي ليس ملفًا منفصلا عن السيادة، بل هو أحد وجوهها، لأن الدولة التي لا تستطيع حماية اقتصادها وأموال مواطنيها تبقى عاجزة عن حماية استقلال قرارها. وكذلك الإصلاح السياسي والمؤسساتي، إذ يحتاج لبنان إلى مؤسسات لا إلى تسويات دائمة، وإلى حكومة قادرة على اتخاذ القرار، ومجلس نيابي يمارس دوره التشريعي والرقابي، ورئاسة جمهورية تمارس صلاحياتها الدستورية، وقضاء يستطيع تطبيق القانون، وجيش يحظى بالدعم الكامل لتنفيذ قرارات السلطة السياسية.
والأهم أن لا يبقى المواطن اللبناني أسير ازدواجية القرار، بل يصبح واضحًا أن الدولة قررت ومؤسساتها تنفذ. هذا هو معنى الدولة، وهذا هو جوهر السيادة. ولذلك فإن الحلّ ليس في إلغاء أحد أو الانتقام من أحد أو كسر طائفة أو بيئة سياسية، بل في أن يكون القانون فوق الجميع، وأن يكون الانتماء الوطني هو الإطار الذي يحتضن كل اللبنانيين، وأن ينتقل كل خلاف سياسي إلى المؤسسات الدستورية.
لبنان لا يحتاج إلى انتصار فريق على فريق، بل يحتاج إلى انتصار الدولة على منطق الساحة. لا يحتاج إلى حرب داخلية جديدة كي يثبت سيادته، بل إلى شجاعة سياسية تمنع الحرب وتفرض منطق المؤسسات، ولا يحتاج إلى انتظار الخارج كي يأتي ويحل مشكلته، فالمجتمع الدولي يستطيع أن يساعد ويرعى ويضغط ويضمن، لكنه لا يستطيع أن يبني لبنان بدلا من اللبنانيين.
ومن هنا يجب أن تتحول المرحلة المقبلة إلى مرحلة تنفيذ لا إلى مرحلة بيانات، وأن تعلن الدولة خطة واضحة أمام اللبنانيين لحصر السلاح، ودعم الجيش، وتثبيت الحدود، واستكمال المسار الدبلوماسي، ومعالجة الاعتداءات الإسرائيلية، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة ثقة المواطن بالدولة، على أن يكون لكل بند موعد ومسؤولية وآلية تنفيذ ومحاسبة. فالدولة التي تعرف ماذا تريد ولا تنفذه تفقد هيبتها، أما الدولة التي تضع أهدافًا واضحة وتلتزم بها فتستعيد ثقة شعبها والعالم.
لقد دفع اللبنانيون ثمنًا باهظًا نتيجة أنصاف الحلول، نصف دولة ونصف سيادة ونصف قرار ونصف استقرار، وفي كل مرة كان يتم تأجيل المشكلة كانت تعود في صورة أكبر وأخطر، ولذلك لم يعد هناك ترف الوقت. إنها لحظة الحقيقة، لحظة الانتقال من لبنان الذي يدير أزماته إلى لبنان الذي يصنع حلا، ومن دولة تتلقى التسويات إلى دولة تملك قرارها، ومن بلد ينتظر الآخرين إلى بلد يتحدث باسم نفسه. وقد تكون أمام لبنان اليوم فرصة نادرة، لكن الفرص لا تنتظر طويلاً، والتاريخ لا يرحم الدول التي تعرف طريق الخلاص ثم تتردد في سلوكه.
المطلوب إذًا ليس انتصار محور على محور، ولا فريق على فريق، بل انتصار لبنان نفسه، انتصار الدولة على منطق الساحة، وانتصار القانون على الأمر الواقع، وانتصار المؤسسات على ازدواجية القرار. فلبنان لا يحتاج إلى من ينتصر على لبنان، بل يحتاج إلى أن تنتصر الدولة، لأن الدولة وحدها تستطيع أن تحمي الجميع، وتعيد الثقة، وتفتح أبواب الاقتصاد، وتثبت الحدود، وتصون الاستقلال، وتمنع تكرار الحروب. وفي نهاية المطاف، لا يمكن أن يكون أمام اللبنانيين أكثر من طريق واحد إذا أرادوا فعلا الخروج من هذه الدوامة، وهو طريق الدولة الكاملة، الدولة التي لا تتقاسم قرارها، ولا تستعير سيادتها، ولا تنتظر أحدًا كي يمنحها استقلالها، بل تمارس سيادتها بنفسها وتحمي شعبها بمؤسساتها وجيشها وقانونها. لقد حان الوقت كي يتوقف لبنان عن إدارة أنصاف الحلول، لأن ما بعد هذه اللحظة لن يكون كما قبلها، ولأن الامتحان الحقيقي لم يعد في معرفة ما يجب فعله، بل في امتلاك الشجاعة لتنفيذه. إما دولة كاملة السيادة والاستقلال والقرار، وإما أنصاف دولة إلى الأبد.