يوسف يونس

ماذا يُخبّئ وزير المال في حساب الخزينة؟

5 دقائق للقراءة

ماذا يُخبّئ وزير المال في حساب الخزينة؟ ولماذا تتصرف الدولة وكأنها مفلسة تماماً، فيما ترقد في حسابات القطاع العام لدى مصرف لبنان مليارات الدولارات؟

السؤال لم يعد تقنياً، بل سياسياً بامتياز. فاللبنانيون يُطلب منهم أن يدفعوا ثمن الأزمة من جيوبهم، فيما يتمسك وزير المال بسيولة ضخمة في الخزينة ولا يستخدمها لتخفيف الصدمة.

تبلغ ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان نحو 10 مليارات دولار، فيما تشير المعطيات إلى أن نحو 3.5 إلى 4.5 مليارات دولار متاحة للاستعمال في حساب الخزينة، بين العملة الوطنية والعملات الأجنبية، أي ما يوازي أكثر من نصف حجم الموازنة.

وإذا كان وزير المال لا يوافق على هذه الأرقام، فالحل بسيط: لينشر تفاصيل حساب الخزينة.

ليقل للبنانيين كم تبلغ الأرصدة فعلياً، وكم منها بالليرة والعملات الأجنبية، وما هو المحجوز مقابل التزامات قائمة، وما هو المتاح للإنفاق.

أما إبقاء الحساب غامضاً، ثم مطالبة اللبنانيين بتصديق أن لا خيار أمام الدولة سوى زيادة الرسوم، فليس جواباً.

المطلوب اليوم نحو 280 مليون دولار لتسديد فواتير الكهرباء المستحقة على القطاع العام، ونحو 70 مليون دولار لتعويض مؤسسات الكهرباء والمياه عن الإعفاءات التي منحتها الحكومة لأهالي الجنوب.

المجموع 350 مليون دولار فقط، أي جزء صغير من السيولة الموجودة، وفق الأرقام المتداولة.

فلماذا يصر وزير المال على الرسوم التي أُقرت على المحروقات، ويرفض تخفيفها أو تعليقها خلال أزمة النفط العالمية، فيما يستطيع استخدام جزء من السيولة لعبور هذه المرحلة؟

ولماذا يبدو مستعداً لتحميل الحكومة كلفة سياسية واجتماعية كبيرة من أجل حماية رصيد الخزينة؟

هنا تبدأ الشبهة السياسية.

هل يدّخر المال لعام 2027؟

حين يصبح الحفاظ على مليارات الخزينة أهم من تجنيب الحكومة الاهتزاز، يصبح مشروعاً السؤال عما وراء الحسابات المالية.

هل نحن أمام تشدد مالي فقط، أم أمام ادخار سياسي؟

هل يريد وزير المال الوصول إلى 2027 وفي يده خزينة ممتلئة وموازنة تتضمن اعتمادات لصناديق ووزارات ومشاريع يمكن الإنفاق من خلالها في اللحظة السياسية المناسبة؟

وهل ينظر إلى نفسه أبعد من وزارة المال، وإلى أموال الخزينة أبعد من كونها احتياطاً للدولة؟

الشبهة تصبح أكثر حساسية عندما يدخل الجنوب في الصورة.

ياسين جابر ليس سياسياً عابراً في الجنوب. مسيرته السياسية والاجتماعية مرتبطة بالنبطية منذ عقود. فهل يرى في مرحلة إعادة إعمار الجنوب فرصة لبناء حضور سياسي أوسع؟ وهل يريد أن يكون الرجل الذي تمر عبره الأموال والمشاريع والتعويضات عندما تبدأ ورشة الإنفاق؟

والسؤال الأكثر إحراجاً: هل يعتقد وزير المال أن المال العام يمكن أن يفتح له باباً إلى جمهور حزب الله في الجنوب؟

ليس مطلوباً من الناس إثبات نيات الوزير. الوزير هو المطالب بتبديد الشبهة التي يثيرها سلوكه المالي والسياسي.

والطريقة الأبسط ليست بالتصريحات: لينشر حساب الخزينة.

لأن حجب المليارات اليوم، فيما يتحمل المواطن الرسوم وارتفاع الأسعار، ثم إنفاقها غداً عبر مشاريع وصناديق ومساعدات، سيطرح حكماً سؤال توقيت الإنفاق العام وعلاقته ببناء النفوذ السياسي.

وماذا عن نواف سلام؟

المسؤولية لا تقف عند وزير المال.

فإذا كان رئيس الحكومة نواف سلام مقتنعاً بأن إبقاء هذه الأموال في الخزينة ضرورة مالية، فليشرح ذلك للبنانيين، وليطلب من وزير المال نشر تفاصيل الحساب.

ما الذي يمنع الشفافية؟

إذا كانت الأرقام المتداولة خاطئة، فإن كشف الحساب يسقطها فوراً. وإذا كانت صحيحة، يصبح السؤال عن سبب عدم استخدام جزء من السيولة أكثر إلحاحاً.

أما أن تعرف رئاسة الحكومة بوجود هامش مالي، ثم تقبل بتحميل الناس المزيد من الرسوم، فذلك يضع المسؤولية عند رئيس الحكومة أيضاً.

وهنا يبرز سؤال سياسي أكثر حساسية: هل تعتقد الحكومة أن استعادة حضور الدولة في الجنوب تمر عبر ضخ الأموال والمشاريع، وأن وزير المال، ابن النبطية وصاحب الحضور السياسي القديم فيها، يمكن أن يكون أحد مفاتيح هذه العملية؟

وهل يرى سلام مصلحة في أن تتحول الدولة بأموالها إلى منافس على استقطاب البيئة الجنوبية التي شكّلت تاريخياً قاعدة شعبية أساسية لحزب الله وحركة أمل؟

إذا كان هناك تصور من هذا النوع، فمن حق اللبنانيين معرفته. لأننا عندها لا نكون أمام إدارة سيولة فحسب، بل أمام قرار مالي ذي أبعاد سياسية.

انشروا الحساب

المشكلة ليست في إنفاق المال على الجنوب. الجنوب يحتاج إلى الدولة وإلى الإعمار والخدمات والتعويضات.

المشكلة هي لماذا يُحجب المال اليوم، ومتى سيُنفق غداً، ومن سيقرر وجهته، ومن سيحاول حصد عائده السياسي.

فالخزينة ليست ملكاً لوزير المال ولا لرئيس الحكومة ولا لأي حزب.

وإذا كان يمكن تأمين 350 مليون دولار من مليارات موجودة في حساب الخزينة، فلماذا تُحمّل الكلفة للمواطن؟

ولماذا المخاطرة باستقرار الحكومة من أجل إبقاء الأموال مجمدة؟

وماذا سيحدث لهذه المليارات في 2027؟ أين ستُنفق؟ وعبر أي وزارات وصناديق؟ ومن سيظهر يومها أمام الناس باعتباره صاحب المشاريع والمساعدات والتعويضات؟

إذا كانت هذه الأسئلة مبنية على أرقام خاطئة، فليصححها وزير المال.

كم في الخزينة؟ كم هو متاح؟ كم هو محجوز؟ وما الذي يمنع استخدام جزء منه اليوم؟

الشفافية ليست منّة عندما تطلب الدولة من مواطنيها دفع المزيد.

وإذا اختار وزير المال الصمت، فعلى نواف سلام أن يدرك أن الصمت الحكومي لا يبدد الشبهة، بل يوسعها.

فإذا كانت الحكومة مستعدة لأن تهتز من أجل حماية مليارات في الخزينة، يصبح السؤال مشروعاً:

هل هذه سياسة مالية لحماية الدولة، أم مال عام يُدَّخر لصناعة نفوذ سياسي جديد في الجنوب في 2027 على حساب استقرار الحكومة؟