عند نحو السادسة والنصف صباحًا أمس، انقلب نوم أطفال بريلوكي في أوكرانيا إلى موت تحت الركام. نصف مبنى سكني صار خرسانة متفحّمة وحديدًا ملتويًا، وثلاثة أطفال بعمر السنة وطفل في الثامنة باتوا، وفق الرئيس فولوديمير زيلينسكي، بين ضحايا الضربة الروسية. كما انتُشلت جثة طفل آخر من تحت الأنقاض مساءً. وفي منزل قريب، حمى أب وأم طفلهما بجسديهما قبل الاحتماء في الحمّام. تختصر هذه الصورة بشاعة الحرب التي تفرضها موسكو على الأوكرانيين: أجساد الأهل خطّ دفاع أخير حين تعجز الدفاعات الجوّية عن اعتراض الصواريخ.
خلّفت الضربات الروسية 26 قتيلًا على الأقل، ودفعت سكانًا إلى الاحتماء في محطات المترو. ومع اقتراب الشتاء، يضاعف استهداف منشآت الطاقة وطأة القصف، إذ يصبح انقطاع الكهرباء تهديدًا للتدفئة والمياه والخدمات الأساسية. هكذا يتراكم الضغط على مجتمع يُطلب منه احتمال الصواريخ والبرد والظلام معًا، فيما تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة بقاء.
وتكشف هذه الهجمات الوحشية حجم المسؤولية الواقعة على حلفاء كييف. فالصواريخ الباليستية، التي وصفها زيلينسكي بالتحدّي الأكبر، تجعل تسريع إمدادات الدفاع الجوّي أولوية إنسانية وعسكرية. وكلّ تأخير يترك فجوة تستطيع الضربة التالية العبور منها إلى مبنى سكني أو منشأة حيوية. ويكتسب الدعم المالي أهميته بقدر ما يتحوّل إلى قدرة فعلية على حماية السكان وإصلاح الشبكات واستمرار عمل الدولة.
في هذا السياق، يحمل الاتفاق الأوروبي على عقوبات تستهدف نحو 1600 فرد وكيان، معظمهم مرتبط بالجيش الروسي وصناعة الأسلحة، رسالة ضرورية لاستمرار الضغط. وتبقى فاعليتها مرتبطة بصرامة التنفيذ وسدّ منافذ الالتفاف عليها وتماسك الموقف الأوروبي. وتحتاج كييف إلى تلازم الضغط الاقتصادي والحماية العسكرية كي تكتسب المواقف الأوروبية وزنًا ميدانيًّا.
وسط هذا المشهد، اتهم الكرملين أوروبا بالهوس بالعسكرة بعد اختبار فرنسا صاروخًا قادرًا على حمل رأس نووي. المفارقة الصارخة تكمن في أن موسكو التي تُمطر المدن الأوكرانية بالصواريخ تصف تجربة فرنسية خالية من الرأس الحربي، انتهت في المحيط بعيدًا من السواحل، بأنها عمل عدواني. ويتيح هذا الخطاب للكرملين تصوير الاستعداد الأوروبي باعتباره مصدر الخطر، وتهميش دور غزوه في تعميق انعدام الأمن في القارة.
ومع ذلك، فإنّ دخول رسائل الردع النووي إلى واجهة السجال يضاعف خطورة المرحلة. فكلّ تصعيد متبادل يوسّع مساحة سوء التقدير، ويزيد الحاجة إلى قنوات اتصال تمنع الانزلاق، بالتوازي مع دعم قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها. السلام القابل للاستمرار يحتاج إلى كبح العدوان وإقناع موسكو بأن مواصلته سترفع خسائرها وتضيّق خياراتها. وعلى أبواب الشتاء، يُقاس صدق الالتزام الأوروبي بما يصل إلى الأوكرانيين من حماية ودفء، وبقدرة أطفالهم على النوم حتى الصباح.