رغم وطأة الأزمات، تستعيد بيروت موعدها مع الكتاب في الدورة السابعة والستين من "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب"، الذي يفتح أبوابه عصر اليوم الجمعة، وتتواصل فعالياته حتى 18 تشرين الأول 2026 من العاشرة صباحًا حتى التاسعة ليلا، في "Sea Side Arena" عند الواجهة البحرية للعاصمة بيروت. على مدى عشرة أيام، يعود الكتاب إلى الواجهة، في محاولة لتثبيت حضور النشاط الثقافي وسط واقع لبناني وإقليمي مضطرب، وفتح مساحة تجمع الناشر والكاتب والقارئ حول أسئلة تتجاوز حدود الأدب إلى قضايا المجتمع وتحولاته.
163 دار نشر
يُقام المعرض برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وبتنظيم من "النادي الثقافي العربي" بالتعاون مع "نقابة اتحاد الناشرين في لبنان". وانضمّ إليه للمرة الأولى مهرجان "بيروت كتب" في دورته الرابعة، وينظّمه "المعهد الفرنسي في لبنان". جاء هذا الانضمام بمبادرة من وزير الثقافة غسان سلامة، ضمن الحُلّة الجديدة للمعرض، التي جمعت "النادي الثقافي العربي" و "نقابة اتحاد الناشرين في لبنان" ودور النشر الفرنكوفونية والعربية في فضاء واحد.
رئيسة "النادي الثقافي العربي" سلوى السنيورة بعاصيري أفادت "نداء الوطن" بمشاركة 163 دار نشر في المعرض، بينها 23 دارًا من الدول العربية، لافتةً إلى أنّ "الحضور العربي في المعرض تأثر منذ العام 2019 لأسباب نعلمها جميعًا، ثم جاءت التطورات الأخيرة في المنطقة لتزيد الأمور تعقيدًا، إذ إنّ الظروف الأمنية والعامة قد لا تسمح للجميع بالمشاركة كما يرغبون". وأضافت: "ندرك جميعًا أنّ القدرة الشرائية في لبنان تراجعت بشكل كبير، ولدى المواطن أولويات معيشية كثيرة، لكن الثقافة والعلم والمعرفة تبقى حاجة أساسية. وأنا على يقين بأنّ عائلات كثيرة لا تزال تأخذ هذا الأمر في الاعتبار وتقدّمه على أمور أخرى، ودور النشر تراعي هذه الظروف الاستثنائية. من هنا، ثمة حسومات تقدّمها لطلاب المدارس والجامعات بهدف تسهيل حصولهم على الكتب". وأكدت بعاصيري أنّ "المعرض بإصداراته وندواته لا يمكن أن يكون بعيدًا عمّا يجري من حولنا، سواء كانت القضايا سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو فكرية. فالكاتب يتأثر بمحيطه ويعبّر عنه، والقارئ بدوره يريد أن يسمع آراءً ومقاربات تساعده على فهم ما يحدث".
القراءة الرقمية
نسأل بعاصيري عن مدى انعكاس الحداثة والتقنيات المعاصرة على الكتاب المطبوع والقراءة الورقية، فتؤكد أنّ "القراءة الورقية لم تعد كسابق عهدها، لأنّ وسائل القراءة تعددت اليوم وانقسم الجمهور بينها". لكنها تستدرك: "نحن لسنا في منافسة مع القراءة الرقمية، ولا يمكن مجابهة التطوّر بهذه الطريقة. الأهم هو نوعية القراءة، أي أن يقرأ الإنسان بتركيز وتعمّق ويفهم المعاني والمضامين، سواء أكان أمام كتاب ورقي أم أمام شاشة، لأنّ المشكلة الحقيقية تكمن في القراءة السطحية لا في الوسيلة نفسها".
وتؤكد بعاصيري أنّ الكتاب الورقي ما زال محور المعرض، رغم أنه لم يعد الشكل الوحيد الممكن. وتتابع: "نحن ندعو دور النشر إلى المشاركة بما لديها، سواء كانت تعتمد النتاج الورقي فقط أو تستخدم وسائل رقمية وحديثة في تقديم الكتاب. التطوير والتحديث لا بدّ أن ينعكسا على قطاع النشر، لأنّ الجمهور متنوع، ويضم الشباب ومتوسطي العمر والكبار، ودار النشر الناجحة هي التي تستطيع مواكبة المستجدات والوصول إلى مختلف فئات القراء".
وعن أهمية استقطاب المعرض جيل الشباب، تقول بعاصيري إنّ هذا الأمر من الأولويات، وإنّ ثمة برامج وفعاليات مخصّصة لهذه الفئة وللناشئة. وتضيف: "أشجّع الشباب على الانفتاح على الندوات ومناقشة الإصدارات الحديثة ومختلف أشكال النشاط الثقافي. فكلّما تعرّف الإنسان في سن مبكّرة على منتجات الثقافة ومقارباتها، أصبح أكثر ارتباطًا بها في المستقبل، وأصبحت لاحقًا جزءًا من اهتماماته وأولوياته".
ولأنّ الذكاء الاصطناعي أصبح واقعًا، ودخلت استخداماته عالم الكتابة، نسأل السيدة سلوى السنيورة بعاصيري عن هذا الجانب وانعكاسه على التأليف، فتجيب: "لقد أصبح واقعًا وتأثيره بات واضحًا، وهناك اليوم أسئلة كثيرة حول كتابات ينتجها الذكاء الاصطناعي بالكامل، وأخرى تستعين به. لذلك نحتاج إلى الوضوح بشأن حجم تدخّله في أيّ عمل، خصوصًا عندما يُقدَّم على أنه نتاج بشري بحت. ويتناول المعرض هذه المسألة من خلال ندوات عن الذكاء الاصطناعي واستخدام التكنولوجيا الرقمية في الصحافة والمكتبات والكتابة. علينا أن نتكيّف مع التطوّر، لكن علينا أيضًا أن نتعامل معه بحذر، ليبقى الإبداع البشري هو المنطلق والأساس".
وعن معيار نجاح المعرض هذه السنة، تقول بعاصيري: "النجاح يبدأ أساسًا بالجرأة على إقامة المعرض. قد يعتبر البعض أنّ الظروف السائدة في لبنان والمنطقة غير مؤاتية، في ظلّ الغموض وعدم وضوح ما يمكن أن تحمله المرحلة المقبلة، لكننا تجرّأنا على الأحداث لأننا نؤمن بأنّ الثقافة ترفع الوعي وتستنهض الأفكار وتفتح المجال أمام رؤى بديلة. وأنا أراهن على إقبال كبير، لأنّ كثيرين يشعرون بأنّ الوقت حان للخروج من قسوة السنوات الماضية والبحث عن مساحة للقاء والتقارب وتبادل الأفكار، وهذا بحدّ ذاته أحد أهم معايير النجاح".
في بيروت التي اعتادت أن تحمي الكلمة مهما ضاقت الظروف، لا يُقاس حضور "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب" بعدد دور النشر المشاركة ولا بعدد الإصدارات، بل بقدرته على إبقاء باب السؤال والنقاش مفتوحًا. فالكتاب مساحة للتفكير لا للهروب من الواقع، والثقافة وسيلة تساعد على تجاوز الأزمات.
دور نشر مشاركة تشارك في المعرض دور نشر عدّة، بينها "دار سائر المشرق" عبر مجموعة من الندوات التي تتناول قضايا لبنانية وعربية وفكرية وتاريخية، إلى جانب لقاءات مع عدد من الكتّاب والباحثين والمفكرين، وحفلات توقيع لمؤلفات صادرة عن الدار. كذلك، تشارك "دار هاشيت أنطوان (دار نوفل)" بمجموعة من الإصدارات والفعاليات الثقافية، حيث تتحوّل منصّتها إلى فضاء ثقافي تفاعلي يجمع بين صناعة النشر والتبادل الفكري والاحتفاء بالمبدعين.
تواقيع معرض الكتاب |
