تستعيد الذاكرة اللبنانية مع حلول ذكرى 13 تشرين الأول شريط مرحلة مفصلية شكّلت بداية النهاية للنفوذ الماروني والمسيحي في المعادلة السياسية الوطنية. بدأت الأزمة عندما تحوّل سعي الجنرال ميشال عون للبقاء في قصر بعبدا إلى سلسلة من الحروب العبثية، من "حرب التحرير" إلى "حرب الإلغاء" بمرحلتيها. وفي حين غادر النواب إلى الطائف لإنتاج دستور جديد يُنهي الحرب، خسر المسيحيون والموارنة تحديداً امتيازات تاريخية أساسية، كان الهدف الضمني لبعض معادلاتها حصر وتطويق عون الذي أقدم حينها على حل البرلمان.
بعيداً عن السرد التاريخي الروتيني للأحداث والتواريخ، يبقى السؤال الأهم موجهاً إلى زعماء الموارنة ورؤسائهم وسياسييهم: ماذا قدمتم للمسيحيين في تلك اللحظات التاريخية الحارجة؟
ميشال عون: كيف قبلت أن تستمر في معركة حُسمت نتائجها سلفاً وباتت خسارتها مؤكدة؟ ولماذا أصرريت على البقاء في القصر—وليتك بقيت فيه—لتسمح للجيش السوري وحلفائه باجتياح بعبدا ووزارة الدفاع، وارتكاب مجازر بحق المسيحيين وتدنيس المتاريس التي سقط عليها الشهداء والجرحى دفاعاً عن آخر معاقل الشرعية؟
رينيه معوض: اغتيل للأنّه رفض الدخول إلى "الشرقية" على ظهر الدبابة الأجنبية، مخلفاً علامة استفهام حول الشغور والبدائل.
إلياس الهراوي: كيف قبل بما رفضه رينيه معوض؟ وكيف سمح لجيش غريب بدخول بعبدا واليرزة؟ وكيف تحملت تبعات الدماء التي سُفكت على مذبح البقاء على كرسي الرئاسة؟
سمير جعجع: بغض النظر عن توزيع المسؤوليات، كيف تجرعت كأس الخلاص من عون على حساب اختراق الجبهات التي حمت المنطقة الشرقية من الحدث إلى ضهر الوحش؟
إميل لحود: كيف ارتضيت أن تكون "حصان طروادة" في تلك المرحلة المفصلية؟
رحم الله الرئيس كميل شمعون، الذي تجرع المَرارة وعضّ على الجراح بعد "مجزرة الصفرا" صوناً لوحدة الصف المسيحي.
اليوم، تتكرر مشهديات 13 تشرين بصور متعددة؛ حرب إلغاء مستمرة بأشكال جديدة، تهجير متواصل، هجرة متصاعدة، ونزيف بشري لا يتوقف. وصل الانقسام المسيحي إلى مستويات خطيرة تجعل المجتمع ينكشف سياسياً ووجودياً. تراجع دور المسيحيين في مؤسسات الدولة ومنظومة القرار، وتحولوا من موقع الريادة وصنّاع القرار إلى موقع المهمش والمتفرج، بينما يواجه الوجود المسيحي في لبنان خطراً وجودياً يُهدد باستنزافه حتى النهاية.
دقت ساعة الحقيقة؛ فإما أن تصحوا وتنقذوا ما تبقى من الوجود، وإما أن تكتُبوا بأيديكم الصفحة الأخيرة في تاريخ مسيحيي لبنان.