حفل هذا الأسبوع بموجة من التهاني والتبريكات التي احتفت بأصحاب إنجازات علمية وأدبية وإنسانية استثنائية، بعد الإعلان عن أسماء الفائزين بجوائز نوبل لعام 2026. إنجازات تفتح آفاقاً جديدة أمام البشرية، من فهم أسرار الدماغ والكون إلى تطوير المعرفة الكيميائية والأدبية والدفاع عن حقوق الإنسان. وقد حملت هذه الجوائز، كما في كل عام، ما يتجاوز قيمتها المادية والمعنوية، لتعيد التذكير بمكانة المعرفة في صناعة التقدم، وبالجهد الإنساني المتراكم الذي يقف خلف كل اكتشاف أو إبداع.
ولعل ما يستوقف المتابع، إلى جانب عظمة الإنجازات، تلك البساطة التي تطبع حياة كثير من العلماء والمبدعين، والتي تظهر أحياناً في ردود أفعالهم عند تلقي خبر الفوز. فلا يبدو الإنجاز عند هؤلاء منفصلاً عن حياتهم اليومية أو عن مسؤولياتهم الإنسانية والاجتماعية، ولا تتحول المكانة العلمية بالضرورة إلى استعراض للنفوذ والامتيازات. إنها صورة تستحق التأمل، ليس لأن العلماء يعيشون خارج التناقضات البشرية، بل لأن قيمة ما يقدمونه تُقاس بما أضافوه إلى المعرفة والحياة، لا بما يشغلونه من مواقع أو بما يحيط بهم من مظاهر التكريم.
ولا يمكن فصل هذه الإنجازات عن البيئات التي أتاحت إنتاجها. فالبحث العلمي ليس فعلاً فردياً معزولاً، مهما بلغت عبقرية أصحابه، بل هو حصيلة مؤسسات تعليمية وبحثية مستقرة نسبياً، وتمويل متواصل، وتراكم معرفي، وحريات أكاديمية، وأنظمة تتيح للباحث أن يمضي سنوات وربما عقوداً في اختبار فرضياته وتطوير اكتشافاته. وليس المقصود أن المجتمعات التي تحتضن هذه المؤسسات خالية من الأزمات السياسية والاقتصادية أو من الحروب والتناقضات، بل إنها استطاعت، بدرجات متفاوتة، حماية مساحات من العمل العلمي من التقلبات السياسية المباشرة. وهكذا تتحول المعرفة إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية واجتماعية، وإلى قدرة إضافية على تطوير الإنتاج والطب والصناعة والخدمات، وعلى تجديد عناصر قوة الدولة ومكانتها.
وفي مفارقة يصعب تجاهلها، تزامنت هذه الاحتفالات العالمية مع حفلة تبريكات لبنانية ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي، احتفاءً بإعادة تعيين رئيس الجامعة اللبنانية البروفسور بسام بدران لولاية جديدة من خمس سنوات. وازدحمت الصفحات بالتهاني والصور، ولا سيما الصادرة عن أوساط سياسية وتربوية محسوبة على حركة أمل، في مشهد يوحي بأن البلاد حققت إنجازاً أكاديمياً استثنائياً، لا أنها أعادت تعيين مسؤول في موقع يفترض أن يخضع أداؤه للتقييم والمحاسبة، شأنه شأن أي مسؤول آخر.
وما يجعل هذه المفارقة أشد إيلاماً أن إعادة التعيين جاءت بعد سجالات واعتراضات رافقت ملف رئاسة الجامعة، وفي ظل إثارة قضايا تتعلق بإدارتها، ومنها ما جرى في مباراة الدخول إلى كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة، حيث أقرت الجامعة نفسها بوجود نقص في ترجمة بعض الأسئلة وأعلنت معالجته. وتضاف إلى ذلك اتهامات وتساؤلات متداولة بشأن امتيازات يُزعم أن أفراداً من عائلة رئيس الجامعة حصلوا عليها، وهي مسائل تستوجب التحقق والتحقيق المستقل، لا اعتمادها أحكاماً مسبقة ولا تجاوزها بالصمت. فمجرد وجود شبهات جدية أو إخبارات موثقة يستدعي التعامل معها بشفافية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسة عامة يُفترض أن تكون نموذجاً للنزاهة وتكافؤ الفرص.
لكن القضية تتجاوز شخص رئيس الجامعة، ولا تختصرها أهليته العلمية أو الإدارية. إنها تكشف عن طبيعة العقل السياسي الذي ما زال يتحكم في إدارة المؤسسات اللبنانية، وعن المعايير التي تحكم توزيع المواقع وتجديد الولايات، حتى في أكثر المراحل خطورة على وجود الدولة والمجتمع.
فلبنان يعيش كارثة وطنية مفتوحة، بفعل العدوان الإسرائيلي المستمر وتداعيات الحروب المتعاقبة، والانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي، وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على القيام بوظائفها الأساسية. وقد أصابت هذه الكارثة بصورة خاصة مناطق واسعة من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وألحقت أضراراً هائلة بحياة سكانها ومصادر رزقهم واستقرارهم الاجتماعي. وهي المناطق نفسها التي تشكل جزءاً أساسياً من البيئة الشعبية للقوى السياسية التي تتمسك بنفوذها داخل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها حركة أمل وحزب الله.
وأمام هذا الواقع، تبدو إعادة تعيين رئيس الجامعة اللبنانية، وما رافقها من مظاهر احتفالية، أكثر من مجرد قرار إداري قابل للاختلاف حوله. إنها تعبير عن استمرار منهج سياسي لم تدفعه فداحة الكارثة إلى مراجعة أولوياته أو تغيير أساليب ممارسته للسلطة.
وإذا سلّمنا جدلاً بالمنطق الطائفي الذي يخصص رئاسة الجامعة اللبنانية للطائفة الشيعية، وهو منطق يتناقض أصلاً مع مفهوم الجامعة الوطنية، فهل يُعقل أن تكون هذه الطائفة، بما تمتلكه من كفاءات علمية وأكاديمية منتشرة في لبنان والعالم، عاجزة عن تقديم أسماء أخرى يمكن أن تحظى بثقة أوسع، بعيداً عن السجالات والشبهات والتجاذبات السياسية؟ وأي استخفاف بقدرات هذه البيئة الاجتماعية وبكفاءات اللبنانيين عموماً، حين يجري اختزال موقع علمي وطني بهذا الحجم في معادلة نفوذ سياسي، وكأن الموقع ملكية خاصة لا يجوز المساس بها؟
اي صورة شيطانية تتلبس هذا العقل السياسي ، ليس باعتباره وصفاً لشخص أو حكماً على نواياه، بل باعتباره نمطاً من التفكير يعرف حجم الخراب الذي أصاب المجتمع، ومع ذلك يواصل إدارة شؤونه بالأدوات نفسها التي ساهمت في إنتاج أزماته. عقل يتقن المساومة على المواقع، وتبادل المصالح، وإدارة التوازنات، لكنه لا يظهر استعداداً مماثلاً لإعادة النظر في جدوى خياراته أو تحمل المسؤولية عن نتائجها.
وتتجسد خطورة هذا النهج في الدور الذي يؤديه رئيس مجلس النواب نبيه بري، بما يمتلكه من نفوذ سياسي ومؤسساتي، وبما يُنسب إليه من دور حاسم في تثبيت التوازنات التي تحكم التعيينات. فالمشكلة لا تكمن في قدرته على تحقيق مكاسب سياسية لفريقه، بل في استمرار اعتبار هذه المكاسب إنجازات، في وقت يفترض أن تكون فيه الأولوية لإنقاذ مجتمع أنهكته الحروب والخسائر والانهيار. وإذا كانت إدارة المؤسسات العلمية تجري بمنطق المحاصصة والمساومة، فما الذي يضمن ألا يُعاد استخدام المنطق نفسه في ملفات إعادة الإعمار والتعويضات والمساعدات، كما شهد لبنان في مراحل سابقة، حيث اختلطت الخدمات العامة بشبكات النفوذ والولاء السياسي؟
والأخطر أن المسؤولية عن استمرار هذا النهج ما زال قادرا على اعادة شبك كافة المسؤولين ضمن شرنقته المدمرة . فقرار إعادة التعيين صدر عن مجلس الوزراء، برئاسة رئيس الجمهورية جوزاف عون وحضور رئيس الحكومة نواف سلام، ما يجعل المسؤولية السياسية جماعية، ولا سيما لدى من قدموا أنفسهم باعتبارهم خارج منظومة الممارسات التقليدية أو في موقع الساعي إلى إصلاحها. وليس مفهوماً أن تتحول الحاجة إلى التفاهم الوطني، وخصوصاً مع القوى السياسية التي تمثل شريحة واسعة من اللبنانيين الشيعة، إلى مبرر للتسليم باستمرار قواعد الخراب نفسها. فالتفاهم المطلوب للخروج من الكارثة يجب أن يقوم على إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، لا على تقديم التنازلات التي تعيد إنتاج أسباب ضعفها. كما أن هذه المسؤولية لا تستثني القوى والشخصيات السياسية الأخرى، من وليد جنبلاط إلى سمير جعجع وجبران باسيل وسامي الجميل والنواب والوزراء الذين يرتضون الصمت بذريعة الابتعاد عن المشاحنات الطائفية ،وهم من يفترض أن يكون لهم موقف واضح من معايير إدارة المؤسسات العامة، خصوصا في الجامعة الوطنية كي لا تتحول ملكا خاصا كما باقي المواقع، وبعيداً عن الحسابات الظرفية وتبادل المصالح.
وما يثير القلق أن هذا السلوك يجري في مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى استعادة ثقة مواطنيه أولاً، ثم ثقة المجتمعين العربي والدولي، للحصول على الدعم اللازم لإعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة. فكيف يمكن إقناع الآخرين بجدية الإصلاح، بينما يستمر التعامل مع المواقع العامة باعتبارها أوراقاً للمساومة؟ وكيف يمكن طلب المساعدة لإعادة بناء القرى والمنازل والبنى التحتية، إذا لم تكن السلطة قادرة على تقديم نموذج مختلف في إدارة أكبر مؤسسة تعليم عالٍ رسمية في البلاد؟
إن التذاكي السياسي الذي اعتادت عليه القوى اللبنانية في إدارة علاقاتها الداخلية، عبر تبادل التنازلات والصفقات والضغوط المتبادلة، لا يصلح أساساً لإعادة بناء الثقة مع مجتمع منكوب، ولا مع جهات خارجية تطالب، بصرف النظر عن حساباتها ومصالحها الخاصة، بحد أدنى من الشفافية والإصلاح والمساءلة. ومن لا يستطيع أن يضمن نزاهة التعيينات وحسن إدارة المؤسسات، يصعب أن يطلب من المواطنين أو الجهات المانحة الاطمئنان إلى قدرته على إدارة مليارات الدولارات المخصصة لإعادة الإعمار.
في أسبوع نوبل، لا تبدو المقارنة بين الفائزين بالجوائز العالمية والمحتفلين بتجديد رئاسة الجامعة اللبنانية مقارنة بين أشخاص أو شهادات علمية، بل بين منظومتين من القيم والمعايير. إحداهما تمنح الاعتراف لمن أضاف إلى المعرفة الإنسانية، والأخرى تميل إلى تحويل الاحتفاظ بالموقع إلى إنجاز يستحق الاحتفال، حتى قبل تقديم كشف حساب عما تحقق خلال الولاية السابقة.
وليست المشكلة أن لبنان لم ينتج هذا العام فائزاً بجائزة نوبل، ولا أن اللبنانيين يفتقرون إلى القدرات العلمية والإبداعية. المشكلة أن العقل الذي يدير شؤونهم ما زال عاجزاً عن التمييز بين قيمة الإنجاز وقيمة المنصب، وبين المسؤولية العامة والملكية السياسية للمؤسسات، وبين الحاجة إلى التفاهم الوطني وضرورة إنهاء نظام المحاصصة. ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً، أمام هول ما أصاب لبنان، لم يعد متعلقاً بقدرة هذه السلطة على إدارة خلافاتها أو توزيع مواقعها، بل بمدى أهليتها لقيادة الخروج من الكارثة. فالذين لم تدفعهم الحروب والدمار وانهيار حياة الناس إلى مراجعة أساليبهم في إدارة مؤسسة علمية، كيف يمكن الاطمئنان إلى أنهم سيعتمدون نهجاً مختلفاً في إعادة بناء المنازل، واعمار الوطن .
لقد وصلت أسماء الفائزين بجائزة نوبل وإنجازاتهم إلى مختلف أنحاء العالم، كما وصلت انجازات واسماء رؤسائنا ومسؤولي احزابنا ونوابنا ووزرائنا وكافة مواطنينا على انجازهم، الذي ساهم في صناعة الخراب، ويصر على تعميق الحفرة التي أوقعنا فيها.
فإذا لم تقم قيامة اللبنانيين على واقعة تعيين رئيس الجامعة والطريقة التي حصلت فيها، سنبقى أسرى اكتشافات عالم الأرانب، بعيدًا عن اكتشافات عالم جائزة نوبل.