لقد خاض الفلاسفة الغربيون صراعًا لعقود بين نظريتين: الأولى ارتبطت بالعالم أينشتاين، والثانية كانت سائدة منذ بداية القرن الرابع الميلادي.
حين قال أينشتاين جملته الشهيرة: «كل شيء نسبي» (Tout est relatif)، حيّر الفلاسفة والمفكرين لسنوات طوال، ضاربًا بنظرية المطلق (Absolutisme) التي اعتمدتها الأنظمة الأوروبية والسلالات الملكية.
للوهلة الأولى، ظنّ النقاد الأوروبيون أن المفكر اليهودي قد ضرب بنظريته النسبية الأنظمة السياسية الملكية، وهكذا حصلت الثورات والانقلابات وتغيّرت الأنظمة.
لم يعد الملك وحكمه مطلقين، بل أصبحا نسبيين.
واستطاع أينشتاين فعلًا أن يُحدث تغييرًا جذريًا وموجةً عارمة، حتى إن الكنيسة وأعمدتها عجزت عن الوقوف في وجهها.
وبعد سنوات طوال، استطاع الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت (Auguste Comte) أن يجيب عن فكرة النسبية بقوله: «Tout est relatif et cela seul est absolu»، أي: «كل شيء نسبي، وهذا وحده هو المطلق».
وهكذا أعاد كونت المجد إلى نظرية المطلق، معزّزًا إرثًا فلسفيًا عظيمًا.
بالعودة إلى لبنان، وما يُخاض فيه ومن أجله من آلام ومصائب، لا يبدو تشخيص مرضه ممكنًا إلا بالعودة إلى انقسام أحزابه بين هاتين النظريتين. فمنهم من يؤمن بمطلقيّة وطنه، ومنهم من لا يؤمن إلا بنسبيّة كيانه.
هذه هي معضلة "حزب الله" وبعض الأحزاب، كالحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث سابقًا. فبالنسبة إليهم، لا يشكّل مشروعهم، سواء أكان سياسيًا أم عسكريًا، والذي يتخطّى حدود الوطن، عائقًا فكريًا أمام عقيدتهم.
أما الأحزاب الأخرى، التي لا تؤمن إلا بمطلقيّة لبنان، فتُصرّ على المحافظة عليه، وأبرزها حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب، إلى جانب جميع المؤمنين بنهائية الكيان اللبناني.
إنها حرب بين نظريتين، بدأت في أوروبا، وانتشرت في العالم، وتجسّدت في لبنان.
حبّذا لو يُدرك بعض المنظّرين في تلك الأحزاب المؤمنة بالنسبية أن صاحب النظرية النسبية، ألبرت أينشتاين، يهودي، فيكفّوا عن التهديد والوعيد…