المخرج رمال أبي يونس

مهنا يبدع ومارسيل يدعم وميشال المرّ يبهر العالم من MTV في حضرة شربل

10 دقائق للقراءة


في زمنٍ تصنع فيه هوليوود أبطالاً خارقين من الخيال، وتُنفق الملايين لتُقنع العالم بأنّ إنساناً يستطيع أن يتحدّى قوانين الطبيعة، اختار المخرج نديم مهنا بطلاً من نوعٍ آخر. بطلاً لم يخرج من مخيّلة كاتب، ولم تصنعه المؤثّرات البصرية، ولم يحتج إلى سيفٍ ليهزم الشرّ، ولا إلى جيشٍ ليغزو العالم.

وإذا كانت السينما تبحث عن أبطالٍ تصنع منهم الأساطير، فإنّ نديم مهنا اختار شخصيةً لا تحتاج إلى أسطورة كي تكون عظيمة. اختار رجلاً انتصر على العالم حين تخلّى عنه، وبلغ المجد حين اختار التواضع، وأصبح عظيماً حين لم يطلب من الحياة شيئاً اختار مار شربل ذلك الناسك اللبناني الذي لم يحمل سلاحاً، ولم يجلس على عرش، ولم يؤسّس إمبراطورية، لكنّه ترك في وجدان المؤمنين إرثاً روحياً تجاوز القارات واللغات والحدود حتى وصل الى 30 ألف عجيبة.

ففي التاسع من تشرين الأول 2026، لم تكن MTV تستضيف مجرّد حفل إطلاق عمل سينمائي كان شارع المر على موعد مع مشهدٍ استثنائي، حيث التقت السينما بالإيمان، والإنتاج الفني بالرسالة الروحية، وحيث تحوّلت المؤسسة الإعلامية إلى مساحة احتفالٍ بقدّيسٍ لبناني تخطّت شهرته حدود وطنه من المدخل إلى أروقة المؤسسة، امتدّت الزينة والشموع والورود والمجسّمات، في مشهدٍ بدا أقرب إلى عرسٍ كنسي مهيب منه إلى حفل إطلاق فيلم.

كانت الأضواء تتعانق مع الشموع، والورود تروي حكاية الفرح، والتفاصيل الصغيرة تؤكّد أنّ ما يجري ليس مناسبةً عابرة.

في تلك الليلة، لم يكن شارع المرّ يستقبل ضيوفاً فحسب، بل كان يستقبل حكاية لبنان الذي يصلّي، ويحلم، ويُبدع، ويصرّ على أن يبقى حيّاً وحضر الحفل رئيس الجمهورية جوزاف عون والسيدة الأولى نعمت عون، إلى جانب شخصيات سياسية ودبلوماسية وإعلامية وفنية، في لقاءٍ منح المناسبة بُعداً وطنياً تجاوز حدود الاحتفال السينمائي.

من السهل أن تمتلك محطةً تلفزيونية، لكنّ الأصعب أن تبني مؤسسةً قادرة على تحويل حدثٍ فني إلى مناسبة وطنية، وأن تمنح عملاً سينمائياً كلّ هذا الحضور والاهتمام.

فالرجل الذي يقف على رأس MTV لم يتعامل مع إطلاق فيلم شربل بإعتباره خبرا يٌبث في نشرة أو تقرير يعرض في برنامج فيلم شربل بإعتباره خبراً بل بوصفه مناسبة تستحقّ أن تُفتح لها أبواب المؤسسة، وأن تُسخَّر لها الإمكانات التنظيمية والإعلامية، وأن يتحوّل المكان نفسه إلى جزءٍ من الحكاية.

لقد أثبت هذا المشهد أنّ قوة المؤسسة الإعلامية لا تُقاس فقط بعدد مشاهديها، ولا بحجم استوديوهاتها، ولا بقدرتها التقنية، بل أيضاً بقدرتها على صناعة لحظاتٍ تبقى في الذاكرة وفي كلمته خلال الحفل، اعتبر ميشال المرّ أنّ القديس شربل يجسّد صورة لبنان الذي نحبّه، وهي عبارة تختصر البعد الوطني الذي أراد إضفاءه على المناسبة.

وهنا تكمن أهمية ما جرى ففي بلدٍ اعتاد أن يجتمع أبناؤه حول الخلافات، استطاعت مناسبة روحية وفنية أن تجمع وجوهاً من مشارب مختلفة حول شخصيةٍ تحظى بمكانة استثنائية في الوجدان اللبناني حتى رئيس الجمهورية شدّد على أنّ مار شربل قديس عالمي يجمع اللبنانيين بمحبته وقوة إيمانه، داعياً إلى الإيمان بلبنان والتضحية من أجله، لا التضحية به إنّ بناء إمبراطورية إعلامية إنجاز، لكنّ القيمة الأكبر أن تعرف متى تستخدم قوة تلك الإمبراطورية لخدمة رسالة تتجاوز الإعلام نفسه.

وهذا ما جعل MTV مختلفة. فميشال المر لم يكن يصنع إحتفال بل كان يقدم صورة عما تستطيع مؤسسة لبنانية أن تفعله عندما تلتقي الرؤية بالإرادة، والإمكانات بالهوية، والإنتاج الثقافي بالإيمان.

فإذا كان ميشال المرّ قد فتح أبواب إمبراطوريته الإعلامية لهذا الحدث الاستثنائي، فإنّ مارسيل غانم كان حاضراً بثقله الإعلامي إلى جانب هذا المشروع، ليؤكّد أنّ الأعمال الكبرى لا يصنعها الإبداع وحده، بل تحتاج أيضاً إلى رجالٍ يؤمنون برسالتها ويمنحونها من حضورهم وتأثيرهم.

فلا يمكن المرور على اسم مارسيل غانم مرور الكرام، فمارسيل الذي اعتاد اللبنانيون أن يروه في قلب الأحداث الكبرى، كان هذه المرّة حاضراً في مشروعٍ من نوع آخر، مشروع لا يبحث عن مواجهة سياسية، ولا عن سبقٍ إعلامي، بل عن إيصال حكاية قدّيس لبناني إلى العالم ولعلّ القيمة الكبرى في دعمه لهذا العمل تكمن في أنّ الإعلامي الحقيقي لا تُقاس أهميته فقط بما يقوله أمام الكاميرا، بل أيضاً بما يستطيع أن يسانده خارجها، وبالقضايا الثقافية والإنسانية والروحية التي يختار أن يمنحها من حضوره وتأثيره لقد كان وجود مارسيل غانم إلى جانب ميشال المرّ ونديم مهنا في التحضير للمناسبة، وفي اللقاء الرسمي مع رئيس الجمهورية، دليلاً على أنّ فيلم شربل لم يكن مجرّد مشروع سينمائي، بل مناسبةً تستدعي تضافر الجهود الإعلامية والثقافية والوطنية للنهوض بلبنان من مكان ما.

فليس كلّ من امتلك منبراً امتلك رسالة، وليس كلّ من وصل إلى الناس عرف كيف يضع تأثيره في خدمة قضيةٍ تتجاوز شخصه

وهنا يبرز دور مارسيل غانم، الإعلامي الذي صنع اسمه في ميادين الحوار والمواجهة، ليكون جزءاً من مشهدٍ مختلف، عنوانه هذه المرّة الإيمان والثقافة والهوية اللبنانية وإذا كان نديم مهنا قد حمل مسؤولية تحويل سيرة مار شربل إلى عملٍ سينمائي، وميشال المرّ قد وضع إمكانات مؤسسته الإعلامية في خدمة هذا الإنتاج، فإنّ مارسيل غانم أضاف إلى المشهد حضوره الإعلامي وعلاقاته وتأثيره المعنوي، في صورةٍ تُظهر أهمية تكامل الأدوار لإنجاح المشاريع الكبرى.

فالأعمال العظيمة تحتاج إلى من يحلم بها، ومن يصنعها، ومن يؤمن بها ويدافع عن وصولها إلى الناس. وهكذا اجتمعت ثلاثة أسماء حول رسالة واحدة نديم مهنا بلغة السينما وميشال المر بقوة المؤسسة ومارسيل غانم بثقل الحضور الإعلامي.

ثلاثة رجال، وثلاثة أدوار مختلفة، لكنّ البطل الحقيقي واحد مار شربل.

وفي قلب هذا المشهد، يقف المخرج نديم مهنا أمام تحدٍّ لا يشبه سواه فأن تُخرج فيلماً عن شخصية تاريخية أمرٌ صعب، لكن أن تقترب بالكاميرا من شخصيةٍ قدّسها الملايين، فذلك امتحانٌ مضاعف.

كيف تصوّر الصمت؟ كيف تمنح الصلاة لغةً سينمائية؟ كيف تُقنع المشاهد بعظمة رجلٍ كانت قوته في تجرّده، وكانت ثورته في نسكه، وكان انتصاره في ابتعاده عن ضجيج الدنيا؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها الكاميرا وحدها، بل تحتاج إلى حساسية فنية ومعرفة بتاريخ الشخصية، وإدراكٍ للفارق بين الدراما الدينية والمبالغة، وبين الإيمان والمشاهدة.

إنّ فيلم شربل، الذي كتبته كلوديا مارشيليان وأخرجه نديم مهنا، يروي سيرة يوسف مخلوف منذ طفولته وصولاً إلى حياته الرهبانية والقداسة وهنا تكمن جرأة الاختيار فالعالم السينمائي المعاصر يطارد الأبطال الذين يطيرون في السماء، بينما اختار مهنا رجلاً ارتفع في وجدان المؤمنين من دون أن يغادر تواضعه أبطال السينما ينتصرون عادةً بالقوة، أمّا مار شربل فكانت قوته في الصلاة أبطال الخيال يحاربون الموت، أمّا شربل فتحوّلت ذكرى حياته بعد موته إلى مصدر رجاءٍ لمؤمنين كثيرين وهناك فرقٌ هائل بين أن تصنع فيلماً عن بطلٍ خارق، وأن تصنع فيلماً عن إنسانٍ رأى فيه المؤمنون حضوراً استثنائياً للنعمة الإلهية ومن هنا، لا يُقاس نجاح هذا العمل بحجم إنتاجه وحده، بل بمدى قدرته على تقديم شخصية مار شربل بصدقٍ فني وتاريخي وروحي، وبأن يجعل المشاهد يخرج من الصالة حاملاً سؤالاً عن الإيمان والحياة والمعنى.

لمار شربل مكانة لا تختصرها الجغرافيا ولد في قرية لبنانية صغيرة، وعاش حياةً بعيدة عن الأضواء، لكنّ اسمه أصبح معروفاً لدى مؤمنين في أنحاء مختلفة من العالم وهنا المفارقة التي تستحقّ التأمّل لبنان الذي يعاني من أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والذي تتصدّر أخباره غالباً الحروب والانقسامات والانهيارات، يمتلك أيضاً وجهاً آخر يستحقّ أن يُروى وجه القداسة والثقافة والفن والإبداع فكم هو مؤلم أن يصبح بلدٌ بحجم لبنان معروفاً أحياناً بمآسيه أكثر من إنجازاته، وكم هو جميل أن يأتي عملٌ سينمائي ليعيد التذكير بأنّ هذه الأرض لم تُنجب الصراعات وحدها، بل أنجبت أيضاً رجال إيمانٍ ومفكرين ومبدعين تركوا أثرهم خارج حدودها ولعلّ أجمل ما في اختيار مار شربل موضوعاً لفيلم سينمائي أنّه يعيد طرح سؤال الهوية اللبنانية من زاوية مختلفة فلبنان ليس فقط وطناً يبحث عن خلاصٍ سياسي واقتصادي، بل هو أيضاً وطنٌ يمتلك إرثاً روحياً وثقافياً يستحقّ أن يُقدَّم للعالم بأرقى أدوات العصر والسينما واحدة من أهم تلك الأدوات.

إنّ ما شهدته MTV في التاسع من تشرين الأول لم يكن حدثاً فنياً معزولاً عن واقع البلاد كان في رمزيته تذكيرا بأن لبنان لا يزال قادراً على إنتاج الفرح وسط الأزمات، وعلى جمع الناس حول فكرةٍ تتجاوز انقساماتهم، وعلى تقديم صورة مشرقة عن نفسه رغم كلّ ما أصابه ولعلّ أجمل ما في المشهد أنّه جمع عالمين يبدوان متباعدين: عالم الإعلام السريع، الصاخب، المتبدّل كلّ لحظة، وعالم النسك والصلاة والصمت. في عالمٍ يعيش على الضجيج جاء فيلمٌ عن رجلٍ اختار الصمت، وفي مؤسسةٍ تقوم رسالتها على نقل الصورة والصوت، حضرت سيرة قديسٍ جعل من الصمت لغةً روحية وفي بلدٍ يختلف أبناؤه على كلّ شيء تقريباً، اجتمعوا للاحتفاء برجلٍ لم يطلب سلطةً ولا منصباً ولا نفوذاً وهنا تحديداً تتجلّى القيمة الرمزية لهذا العمل فحين تجتمع الإرادة الإنتاجية والرؤية الإخراجية والقوة الإعلامية حول مشروعٍ من هذا النوع، يصبح الفن أكثر من صناعة ترفيهية، وتصبح الشاشة جسراً بين الأجيال والذاكرة والإيمان.

من حقّ صنّاع هذا العمل أن يفتخروا بما أنجزوه، ومن حقّ المؤسسة التي احتضنت إطلاقه أن تعتزّ بالمشهد الذي قدّمته لكنّ الأهم من الاحتفال يبقى ما سيتركه الفيلم في ذاكرة الجمهور فالأعمال الكبيرة لا تعيش فقط في ليلة افتتاحها، بل في الأسئلة التي تثيرها، والمشاعر التي توقظها، والأثر الذي تتركه بعد إسدال الستار.

لقد أضاءت MTV شموعها، وفتحت أبوابها، واستقبلت ضيوفها، وقدّمت ليلةً أرادت لها أن تكون بحجم الإسم الذي يحتفي به. أمّا التحدّي السينمائي الحقيقي، فهو أن ينجح الفيلم في نقل شيءٍ من عمق تلك السيرة إلى أجيال قد تعرف اسم مار شربل، لكنّها لا تعرف كلّ تفاصيل حياته. وإذا استطاع هذا العمل أن يجعل شاباً يكتشف معنى التواضع، أو إنساناً يتأمّل في قيمة الصمت، أو مغترباً يستعيد صلته بجذوره اللبنانية، فسيكون قد حقّق رسالة تتجاوز شباك التذاكر.

في النهاية، قد تحتاج هوليوود إلى مئات الملايين كي تصنع بطلاً خارقاً، وإلى آلاف المؤثّرات كي تقنع المشاهد بأنّ المستحيل ممكن أمّا لبنان، فقد أنجب في إحدى قراه رجلاً عاش فقيراً، وصلّى بصمت، ورحل من دون أن يملك شيئاً من مجد الدنيا، لكنّ اسمه بقي حاضراً في قلوب المؤمنين بعد أكثر من قرنٍ على رحيله ذلك هو مار شربل.

وفي التاسع من تشرين الأول، اختار نديم مهنا أن يروي حكايته بالصورة، واختار ميشال المرّ أن يمنح إطلاق هذه الحكاية مشهداً يليق بمكانتها في الوجدان اللبناني ومن شارع المرّ، خرجت رسالة تقول إنّ لبنان، مهما أثقلته الجراح، لا يزال يملك ما يقدّمه للعالم فبعض الأبطال تصنعهم السينما ليعيشوا ساعتين على الشاشة، وبعض الرجال تصنع سيرتهم من الإيمان حكايةً تعيش قروناً في ذاكرة البشر. مار شربل لم يحتج إلى السينما كي يصبح عظيماً، لكنّ السينما احتاجت إلى عظمته كي تروي بالشموع، حكايةً تستحقّ الخلود.

وأمس، لم يكن ميشال المرّ يضيء مبنى MTV بل كان يضيء، من قلب شارع المرّ وجها آخر للبنان. لبنان الذي قد ينهزم في السياسة، ويتعثّر في الاقتصاد، وينزف في الحروب، لكنّه لا يزال قادراً على أن يقف أمام العالم ويقول: من هذه الأرض خرج قدّيس اسمه شربل...

شكرا نديم لأنك جسدت مسيرة مار شربل ومارسيل غانم لأنك دعمت بقوة أما الشكر الأكبر فهو لميشال المر الرجل الذي قال للعالم أن لبنان وطن القديسين هنا وصناعة الإعلام تبدأ من هنا ومهما حاولت شياطين الأرض محاربتنا فنحن سنظل هنا.