الحوثيون يبتزّون الرياض بدماء المسافرين

5 دقائق للقراءة
الحوثيون يؤدّون دورًا بالغ الخطورة (رويترز)

باستهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ينقل الحوثيون المواجهة من الجبهات اليمنية، حيث يُواجهون هجومًا مضادًّا، إلى قلب الأمن والاقتصاد السعوديَّيْن، جاعلين أرواح المسافرين وحركة الطيران أداة ضغط على المملكة. فالهجوم الذي أوقع السبت 13 قتيلًا ومئات الجرحى من جنسيات مختلفة، وأعقبه اعتداء جديد الأحد، يكشف مسعى إلى فرض معادلة ابتزاز: تحميل الرياض كلفة دعم الحكومة اليمنية عبر ضرب منشآتها المدنية وإرباك صلاتها بالعالم. وتمنح الرعاية الإيرانية هذا المسار امتدادًا إقليميًّا، في وقت تتمسّك فيه طهران بشروطها السبعة لعدم عرقلتها الملاحة في مضيق هرمز. وقد وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي الردّ الأميركي عليها بأنه "غير كافٍ"، مطالبًا واشنطن بتوضيح المسائل التي لا تزال غامضة بالنسبة إلى بلاده. وفي هذا السياق، تتقاطع الضغوط على الملاحة البحرية والجوّية لتوسيع كلفة المواجهة، في وقت تُقرع فيه طبول الحرب مجدّدًا.

هزّة عنيفة قلبت صالات مطار الرياض إلى مشهد من الرعب: وجوه مضرّجة بالدماء، وجرحى بين أذرع الفارّين، وركّاب يركضون بحثًا عن مأمن. تحوّل انتظار السفر إلى سباق للنجاة بسبب الإرهاب الحوثي، وامتدّت المأساة إلى مستشفيات تستقبل مصابين بشظايا الزجاج في وجوههم وعيونهم. وفي السماء، غيّرت طائرات مسارها، في وقت افترشت فيه عائلات أرض المطارات، معلّقةً بين رحلات تعطّلت وقلق يتفاقم مع توالي الاستهدافات.

ويكشف تكرار قصف مطارات سعودية، بعد اتّضاح الحصيلة البشرية المروّعة في الرياض، إصرارًا على المضيّ في هذا النهج الإرهابي. فجماعة "أنصار الله" التي تبنّت هجوم السبت جدّدت تحذير شركات الطيران والمسافرين من استخدام المطارات والأجواء السعودية، محاولة استكمال الاعتداء العسكري بعزل المملكة جوًّا تحت وطأة الخوف. يكشف الحوثيون بسلوكهم جوهر مشروعهم بوصفهم تنظيمًا مسلّحًا ينصّب نفسه وصيًّا على الملاحة الجوّية في دولة أخرى، ويطالب شركات الطيران الدولية بالامتثال لإملاءاته.

ويمسّ هذا السلوك حماية المدنيين وسيادة الدول وأمن النقل الدولي في آن واحد، إذ تصبح سلامة المسافر، أيًّا تكن جنسيته أو وجهته، رهينة حسابات عسكرية تبدأ من طهران ولا تنتهي في صنعاء، لا صلة له بها. كما تكشف التحذيرات المسبقة اتّساع دائرة الاستهداف، مقرونةً بمحاولة تحميل السعودية مسؤولية عواقب اعتداءات تُشنّ على منشآتها الحيوية. وقد وصف التحالف بقيادة الرياض الهجوم بأنه يرتقي إلى "جريمة حرب"، متعهّدًا الردّ عليه "بحزم"، في حين شدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على وجوب وقف الهجمات على المدنيين والبنى التحتية المدنية فورًا، وسط تنديد إقليمي ودولي واسع بالاعتداءات الحوثية على المملكة.

ولا تنتهي آثار الاعتداء بانتهاء القصف. فتعليق الرحلات وتحويل مساراتها والتحذيرات القنصلية، إلى جانب الحديث عن أضرار طاولت أنظمة الرادار والاتصالات، تفرض تحدّيات متزامنة على سلامة الطيران واستمرارية تشغيله. كذلك، يُثير استهداف مطار الدمام أسئلة عن أمن البدائل المتاحة. ومع استضافة الرياض فعاليات اقتصادية وطاقوية، يمكن قراءة استهداف المطارات باعتباره محاولة لضرب الثقة بأمن المملكة، ورفع كلفة نشاطها الاقتصادي، واستنزاف قدراتها الدفاعية بتوزيع الأخطار على منشآت مدنية متباعدة.

وتساعد تطوّرات الساحل الغربي اليمني ومضيق باب المندب على فهم توقيت هذه الهجمات الشنيعة. فمع تنفيذ القوّات الحكومية، بإسناد سعودي، هجومًا لاستعادة المنطقة، يبدو ضرب العمق السعودي وسيلة لدفع الرياض إلى تخفيف دعمها العسكري، الأمر الذي لن ينجح بطبيعة الحال. وتزداد أهمية الصراع على المضيق في ظلّ محاولات طهران لعرقلة الملاحة في هرمز، بما يمنح المعارك الجارية أثرًا إقليميًّا ودوليًّا. وتستفيد طهران سياسيًّا من تعدّد نقاط الضغط على خصومها.

أمام هذا الواقع، يُرجّح أن تجمع الرياض بين تعزيز حماية المطارات وتكثيف العمليات ضدّ القدرات الحوثية التي تطاول أراضيها، بالتوازي مع مواصلة إسناد القوّات الحكومية اليمنية. غير أن تضارب الروايات الميدانية واستمرار النزاع على السيطرة على باب المندب وجزيرة ميون يفرضان الحذر في تقدير النتائج. ففاعلية الردّ ستُقاس بقدرته على تقليص وتيرة القصف، وتأمين المنشآت، واستعادة زمام المبادرة.

وبات احتمال التدخّل الأميركي أكثر جدّية بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب أن واشنطن تدرس الانضمام إلى الضربات السعودية. ويضيف مقتل مواطن أميركي، إلى جانب الأخطار التي تطاول الطيران والممرّات التجارية، ضغطًا سياسيًّا لاتخاذ خطوات عملية. وقد يتدرّج الانخراط بين تعزيز الدفاعات وتوفير الدعم الاستخباراتي والمشاركة في ضربات مباشرة. إلّا أن القرار لم يُحسم بعد، وتبقى حدوده مرتبطة بجدواه العسكرية، ومخاطر اتّساع الحرب، وموقعه ضمن حسابات المواجهة مع إيران.

وفي أساس الأزمة، تقف سلطة مسلّحة ترسّخت منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء، وتحتفظ بقرار الحرب خارج مؤسّسات الدولة، مستندةً إلى دعم إيراني يُتيح لها مواصلة القتال. وقد أظهر تجدّد المعارك هشاشة أي تهدئة لا تعالج مسائل السلاح والسلطة والموارد. وتُتيح الإدانات الدولية الواسعة للسعودية فرصة لبناء موقف مشترك يترجم التضامن إلى إجراءات تطاول مصادر التسليح والتمويل، وتدعم حماية الملاحة وتسوية سياسية واضحة الضمانات وآليات التنفيذ. فالاختبار أمام الرياض وحلفائها هو تحويل الغضب من مجزرة المطار إلى قدرة فعلية على منع تكرارها، وبناء ردع يحمي المسافرين والمنشآت، بالتوازي مع فتح أفق يستعيد فيه اليمن قراره الوطني.