الدكتورة زينة الرافعي

هل نُعدِم القومية العربية بأخطاء السلطة والتجارب الاولية؟

6 دقائق للقراءة

هناك مشكلة في النقاش العربي الراهن حول القومية العربية: اختلاط المحاكمة الفكرية بالمحاكمة السياسية.

فبدل أن تُناقش تجربة البعث في العراق على انها تجربة سياسية لها ظروفها وقياداتها وقراراتها ونتائجها، يجري أحيانًا توسيع دائرة الاتهام لتشمل الفكرة القومية العربية نفسها. وكأن سقوط نظام بإحتلال بلده ،أو فشل مشروع وحدوي أو ارتكاب قيادة سياسية لأخطاء يكفي لإصدار حكم نهائي على فكرة نشأت قبل نشوء تلك الأنظمة، وعاشت قبلها وبعدها.

الخلط الحاصل الآن - وهو خلط مدروس ومخطط- بين الفكرة ومن حملها، وبين النظرية وتطبيقاتها، وبين المشروع والسلطة.

القومية العربية ليست اختراع حزب واحد، ولا ولدت مع البعث، ولا بدأت مع الانقلابات العسكرية.

هي هوية امة تبلورت عبر الاف السنين، وهي في نفس الوقت تيار فكري وسياسي نشأ في سياق النهضة العربية الحديثة، وتبلور عبر عقود من النقاش حول اللغة والتاريخ والثقافة والاستقلال والنهضة والوحدة.

ومن ساطع الحصري إلى قسطنطين زريق وميشيل عفلق، تعددت المدارس والتصورات، واختلفت في تعريف الأمة وفي وسائل تحقيق النهضة والوحدة.

من الممكن لاي باحث نقد هذه الأفكار، لكن تحويلها إلى «فكرة عشوائية لا علاقة لها بالعلم» يعني تجاهل تاريخ فكري كامل.

ووجود خلاف حول النظرية لا يعني أنها بلا نظرية.

البعث هو أحد التيارات الفكرية السياسية التي تبنت القومية العربية، ولهذا فإن نقد البعث بمنطلق غير علمي لا يكفي وحده لإسقاط القومية.

الفكرة تُناقش في ذاتها، والتجربة تُناقش في سياقها.

أما جمع الاثنين في حكم واحد، فهو تبسيط للتاريخ.


وحتى البعث نفسه لم يكن تجربة واحدة

والمفارقة التي يغفلها كثيرون أن البعث في سوريا بعد إنقلاب 1966 ليس هو البعث ذاته قبل هذا التاريخ . والبعث في العراق قبل 17-30 تموز 1968 لم يكن البعث نفسه بعد هذا التاريخ.

بعد انقلاب 1966 في سوريا، دخل الحزب في مرحلة انقسام عميقة، وانتهى الأمر بقيادة دمشق إلى إبعاد مؤسسي الحزب، ومن بينهم ميشيل عفلق.

بل صدر في سوريا عام 1971 حكم بالإعدام على عفلق غيابيا.

في الوقت الذي احتضن العراق عفلق بعد وصول البعث إلى السلطة عام 1968، وأصبح الأمين العام للقيادة القومية للحزب وبقي في هذا الموقع حتى وفاته في 23 حزيران 1989.

هذه ليست تفصيلة هامشية.

إنها واحدة من المفاتيح لفهم الخلاف العراقي–السوري.

إن الالتباس الاساسي وقع عندما فُرز البعث بين نظاميْن "الجناح العراقي والجناح السوري" وهذه اكبر خطيئة اُرتكبت ضد حزب البعث العربي الاشتراكي.

لأنه بالأساس لا يوجد "بعث سوري" ولا "بعث عراقي". بل هو حزب واحد لا غير، وهو حزب البعث العربي الاشتراكي ومؤسسه ميشيل عفلق، وقد يكون مقره الرئيسي في اي عاصمة عربية يصل البعث لقيادة الحكم.

فإذا كان مؤسس الحزب نفسه قد أصبح مطلوبا ومحكوما بالإعدام من النظام السوري بينما أصبح أمينا عاما للحزب في العراق، فكيف يمكن بعد ذلك التعامل مع ما سُمي «البعث العراقي» و«البعث السوري» باعتبارهما تجربة سياسية واحدة؟ كيف تتم المساواة وكل تجربة منهما حملت تحولات مناقضة جذريا للاخرى؟

وهذا يغيّر كثيرًا من طريقة قراءة التاريخ.


في تجربة الوحدة المصرية–السورية

في عام 1958 انتقلت فكرة الوحدة العربية من الخطاب إلى الواقع. توحدت مصر وسوريا في دولة واحدة.

وانتهت التجربة بالانفصال عام 1961.

لكن الانفصال لا يجيب وحده عن السؤال.

الذي يجب أن نبحث فيه هو: لماذا انهارت التجربة؟

هل كان السبب في مبدأ الوحدة؟ كلا.

المفكر والسياسي الدكتور سعدون حمادي وهو عراقي من النجف الأشرف، ومن خلال مراجعته النقدية العميقة للتجارب الوحدوية السابقة (مثل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958) لخص الدرس في " ضرورة استبعاد القوة أو الإكراه كوسيلة لفرض الوحدة. فالوحدة المستدامة في نظره يجب أن تقوم على التوافق، والإقناع، والمصلحة المشتركة، والالتزام الطوعي بين الأقطار العربية".

هذا هو النقد الجدي.

أما تحويل النتيجة إلى حكم مسبق بأن «الوحدة مستحيلة»، فهو ليس تحليلًا تاريخيا،ولا واقعيا ،بل هو سلبي لانه يلتقي وبغض النظر عن النوايا مع الترويج الغربي المعادي للقومية العربية اصلا..

اما في تجربة وحدة العراق وسوريا: مشروع الوحدة الذي لم يولد

في العراق وسوريا، فقد جاءت محاولة أخرى أكثر إثارة:

بلدان يحكمهما البعث.

قيادتان ترفعان شعار الوحدة.

ومشروع سياسي يصل إلى مرحلة متقدمة عام 1979.

كان الرئيس أحمد حسن البكر وحافظ الأسد يتحركان باتجاه صيغة وحدوية بين البلدين.

لكن المشروع لم ينهَرْ إلا بسبب تآمر حافظ الأسد عليه، إذ دخل في صراع على القيادة والنفوذ، وسعى إلى إجهاض المسار الوحدوي قبل اكتماله، وفعلا نجح.

لقد استفاد حافظ اسد من هذا الانفتاح لتمكين حياكة خطوط مؤامرة الانقلاب على قيادة البعث في بغداد.

وبعد أيام من تسلم الرئيس صدام حسين الحكم بعد إعتزال الرئيس البكر، انعقد اجتماع قاعة الخلد، وأُعلنت قضية المؤامرة المرتبطة بالنظام السوري، ثم بدأت عملية تطهير واسعة داخل القيادة العراقية اختلط بها "الحابل بالنابل".

هل هنا انتهى مشروع الوحدة؟ بالتأكيد كلا.

لكن ماذا انتهى بالضبط؟

انتهت تجربة سياسية محددة حاول طرف منها محيّ الآخر.

ولكن لم تنتهِ بالضرورة فكرة الوحدة العربية.

بل يمكن قراءة ما حدث بوصفه نموذجا على مشكلة أعمق: عندما يتحول المشروع القومي إلى صراع على من يمتلك حق تمثيله وقيادته، تصبح الوحدة نفسها ضحية للصراع على السلطة.

ثم تأتي التهمة الأخرى: القومية العربية معادية للدولة الوطنية.

وهذه أيضا تحتاج إلى تدقيق.

أن يكون الإنسان لبنانيا او عراقيا او فلسطينيا او سوريا او تونسيا او موريتانيا او غيرهم..... لا يمنع أن يكون عربيا.

فإن الدولة هي من تحدد الإطار السياسي والقانوني للمواطن.

والقومية تحدد دائرة أوسع من الانتماء الثقافي والتاريخي والمصلحي.

ليس هناك تناقض منطقي ضروري بين الاثنين.

بل يمكن أن تكون الدولة الوطنية قاعدة لتعاون عربي أوسع.

المشكلة ليست في وجود الدولة الوطنية.

المشكلة في أن تتحول الحدود السياسية إلى حواجز تمنع أي شكل من أشكال التكامل.

القومية العربية تحتاج إلى المراجعة في التطبيق لا إلى إعدام.

فهي ليست مقدسة وهذا ليس ضعفًا فيها بل هو شرط بقائها.

لكن كل ذلك لا يبرر القفز إلى النتيجة: إن القومية العربية باطلة. وهذا استنتاج أكبر من مقدماته.

القومية العربية لا تستحق أن تُدفن بسبب أخطاء الانظمة.

القومية العربية هوية اولا وقبل كل شيء، وهي بناء على ما تقدم فكرة سياسية وعقيدة قابلة للنقد والتطوير .

والوحدة تجربة تاريخية لها نجاحات وإخفاقات.

والدولة الوطنية واقع قائم.

لهذا، فإن السؤال العربي الحقيقي اليوم ليس:

كيف ندفن القومية العربية؟

بل: كيف نطهرها من اخطاء فهمها ومن كبوات من عملوا بأسمها؟ كيف نصحح مسارات فيها بحيث تصبح أكثر ديمقراطية، وأكثر علمية، وأكثر مؤسساتية، وأكثر قدرة على تحويل فكرة الأمة الواحدة إلى مصالح مشتركة وواقع مشترك؟