ايلي الياس

دخل بعبدا مرّتين وفي المرّتين خرجت الدولة

4 دقائق للقراءة

في كلّ ذكرى 13 تشرين، أجد نفسي أمام كمّية هائلة من التخيّلات وتكرار التكاذب، وهذا ما لا يمكن إلّا التعريج عليه.

في هذه الذكرى، يستعيد اللبنانيون صورة الطائرات السورية فوق قصر بعبدا، ورجلا يغادره في مصفّحة نحو السفارة الفرنسية في الحازمية. غير أنّ السؤال الذي تتهرّب منه الذكرى كلّ عام ليس: من هزم ميشال عون؟ بل: ماذا بقي من المشروع اللبناني بعدما مرّ عليه عون، و مرّتين، قائدًا للجيش ثم رئيسًا للجمهورية؟

المشروع اللبناني لم يكن شعارًا. كان دولةً سيّدة تحتكر السلاح والقرار، ومنطقةً حرّة صمدت خمس عشرة سنة كآخر معقل للشرعية، وتوازنًا ميثاقيًا يحفظ للمسيحيين دورهم لا امتيازاتهم فحسب. وهذا بالتحديد ما أصابه عون في الصميم.

في 22 أيلول 1988، كلّف الرئيس أمين الجميّل قائد الجيش برئاسة حكومة عسكرية انتقالية مهمّتها واحدة: تأمين انتخاب رئيس. فتحوّلت المهمّة إلى إقامة، والإقامة إلى حرب.

في 14 آذار 1989 أعلن "حرب التحرير" بلا حساب لموازين القوى ولا لغطاء دولي، فاستُنزفت المناطق الشرقية وتهيّأت الظروف لتسوية الطائف على أنقاضها. وحين ذهب النواب إلى الطائف، لم يفاوض عون على تحسين شروطها، بل حلّ مجلس النواب في 4 تشرين الثاني 1989، فخسر المسيحيون موقعهم على الطاولة، وكُتبت التسوية، في جانبٍ منها، لتطويقه. فكان الانقضاض على موقع رئاسة الجمهورية وتقليص صلاحياته، لا لأنّ الآخرين كانوا أقوى، بل لأنّ الموقع الماروني الأول كان مشغولا بمعركة البقاء في القصر بدل معركة البقاء في المعادلة.

ثم جاءت الضربة القاصمة. في 31 كانون الثاني 1990 اندلعت "حرب الإلغاء" بين الجيش بإمرته و"القوات اللبنانية"، فدُمّر ما عجزت المدافع السورية عن تدميره في خمس عشرة سنة، وهاجر من المناطق الحرّة من هاجر، وانكسرت الجبهة التي حمت الشرقية من الحدث إلى ضهر الوحش. فحين دخلت القوات السورية في 13 تشرين، لم تكن تقتحم حصناً، بل تقطف ثمرةً أنضجها من نصّب نفسه الشرعيةَ المطلقة.

وفي ذلك الصباح، بلغ التناقض ذروته. فمن رفض كلّ تسوية باسم الكرامة الوطنية، أعلن تسليم القيادة عبر الإذاعة من داخل سفارة أجنبية، فيما كان جنود اللواء العاشر يقاتلون حتى الرمق الأخير في ضهر الوحش، ويُقتاد العشرات من الضباط والجنود إلى السجون السورية، ويُنقل أرشيف وزارة الدفاع إلى دمشق. وفي مشهد يختصر المرحلة كلّها، وصلت عائلة الجنرال إلى السفارة برفقة إيلي حبيقة، الآتي إلى القصر في ركاب الضابط السوري الذي احتلّه. "العالم يستطيع أن يسحقني ولكنه لا يستطيع أن ينتزع توقيعي"، قال عون. فسُحق الجنود، وبقي التوقيع.

لو انتهت القصة هنا، لبقي عون قائدًا خسر معركةً محسومة سلفًا. لكنّ الفصل الثاني كان أخطر. فالرجل الذي بنى شرعيته في المنفى على مواجهة الوصاية السورية، عاد في 7 أيار 2005 بعد أيام من انسحابها، وفق تفاهمات يروي كريم بقرادوني في "صدمة وصمود" أنها مرّت بدمشق، وأنّ شرطها أن يكون "حزب الله" شريكًا فيها. وفي 6 شباط 2006، جاء تفاهم مار مخايل ليمنح الميليشيا الإيرانية غطاءً مسيحيًا لسلاحها، فتحوّل سياديّ الأمس إلى حارسٍ للدولة الموازية. ومن هناك تسلسلت الأثمان: الثلث المعطّل في الدوحة عام 2008، ثم سنتان ونصف من الفراغ انتهتا بانتخابه رئيساً في 31 تشرين الأول 2016 بشروط "حزب الله" لا بإرادة الدولة. هكذا صار الرئيس الماروني، الذي يُفترض أن يكون حارس الميثاق الوطني، الممرَّ الذي عبرت منه ولاية الفقيه إلى قلب القرار اللبناني.

والعهد الذي وُعد اللبنانيون بأنه "عهد الرئيس القوي"، كان أضعف العهود أمام السلاح. فانهارت العملة، وانتفض الناس في 17 تشرين الأول 2019، وانفجر المرفأ في 4 آب 2020 فقتل أكثر من مئتي إنسان ودمّر أحياءً واسعة من العاصمة. وخرج عون من بعبدا في 30 تشرين الأول 2022 تاركًا قصرًا بلا رئيس، ودولةً بلا قرار، وقطيعةً خليجية غير مسبوقة.

هكذا تكتمل الدائرة. في المرّة الأولى، أسقط عون المنطقة الحرّة بحروب عبثية فتسلّمتها الوصاية السورية. وفي المرّة الثانية، أسقط القرار السيادي بتفاهم سياسي فتسلّمته الوصاية الإيرانية. وبين المرّتين، لم يتغيّر المنهج: الكرسيّ أولاً.

فليست مسؤولية عون أنه خسر حربًا، فالحروب تُخسر. مسؤوليته أنه خسر الحرب ثم صالح من هزمه، وحوّل جمهورًا ناضل من أجل السيادة إلى غطاءٍ لنقيضها. والمشاريع الوطنية لا تسقط في معركة أو حرب، بل حين يخونها من رفع رايتها.