في تشرين الأول 2016، سقطت بلدة دابق السورية في أيدي فصائل مدعومة من تركيا، بعد انسحاب مقاتلي تنظيم "داعش" منها. لم تكن البلدة ذات أهمية عسكرية استثنائية. ومع ذلك، كان سقوطها أكثر إحراجاً للتنظيم من خسارة مواقع أكبر وأكثر أهمية.
فقبل عامين من تلك المعركة، اختار التنظيم اسم "دابق" عنواناً لمجلته الدعائية بالإنكليزية، مستحضراً رواية إسلامية عن معركة كبرى موعودة تقع في آخر الزمان بين المؤمنين و الروم. لكن المعركة التي رُوّج لها لم تقع. سقطت البلدة، وبدأ خطابه يهيّئ تفسيراً مختلفاً: المعركة الموعودة ستحدث، ولكن ليس بالضرورة الآن.
في الظروف العادية، يُفترض أن تدفع الواقعة الإنسان إلى مراجعة توقعاته. أما هنا، فقد أُعيد تفسير الواقعة لحماية الاعتقاد الذي سبقها.
وقد يبدو سهلاً أن نرى في ذلك مثالًا على تفكير تنظيم متطرف، وأن نطمئن إلى أن المسألة لا تعنينا. لكن الآلية نفسها، وإن اختلفت حدتها ونتائجها، ليست غريبة عن حياتنا اليومية. فكم مرة نبحث عما يؤكد قناعاتنا أكثر مما نبحث عما يختبر صحتها؟ وكم مرة نرفض معلومة لا لضعفها، بل لأنها جاءت ممن لا نثق بهم؟
تبدأ المسألة حين يصبح تفسير معين للأحداث أمراً بديهياً، وحين يعرف الإنسان مسبقاً من سيصدق ومن سيشكك فيه، وحين لا يحتاج إلى قراءة خبر كامل كي يقرر موقفه منه. يكفي أحياناً أن يعرف اسم الشخص الذي قاله، أو الجهة التي نشرته، أو الجماعة التي سيتضرر موقفها منه...
وهنا يبرز سؤال يتجاوز دابق وما جرى فيها : كيف يستطيع الإنسان أن يغيّر تفسيره للواقع كي لا يضطر إلى تغيير فكرته الكاملة عنه؟
ولعلّ هذا ما يجعل الأيديولوجيا موضوعاً يخص الجميع، لا أصحاب العقائد المتشددة وحدهم،
غير أنها لا تعمل دائماً بالطريقة نفسها، ولا تبلغ الدرجة نفسها من التأثير. فثمة فارق بين امتلاك منظومة من القيم، وبين العجز عن تخيّل أن العالم قد يُفهم خارجها.
ذاك الفارق هو ما يستحق أن نفهمه.
الفكرة التي تسبق صاحبها
تخيّل طفلين يولدان في اليوم نفسه، في مدينتين مختلفتين. لا يعرف أحدهما شيئاً عن الآخر، ولا يملك أي منهما رأياً في الدين أو التاريخ أو السياسة. لا يستطيعان حتى التمييز بين العلم الوطني وقطعة قماش ملوّنة.
بعد عشرين عاماً، قد يجد أحدهما في العلم الذي يرفعه الآخر رمزاً لعدو، وفي الشخصية التي يقدّسها خصمه مثالاً للظلم. وربما يرى أحدهما في الحرب نفسها واجباً أخلاقياً، بينما يعتبرها الآخر جريمة لا مبرر لها.
قبل أن يتعلّما التفكير النقدي، يكونان قد تعلّما القصص التي سيفهمان التاريخ من خلالها. ففي منزل، تُعلّق صورة رجل باعتباره مثالاً للشجاعة، وفي آخر تُذكر الشخصية نفسها بوصفها سبباً لمأساة. الطفل لا يملك بعد أدوات التحقق، لكنه يتعلّم شيئاً أسبق من الوقائع: كيف يشعر تجاهها.
لكن ما الأيديولوجيا أصلاً؟
هي ليست مجرد رأي سياسي أو عقيدة دينية. إنها منظومة من الأفكار والقيم والتفسيرات تمنح الإنسان تصوراً عن العالم: كيف وصل إلى ما هو عليه، وما الذي ينبغي تغييره، ومَن يتحمّل مسؤولية ما يحدث فيه.
ولعلّ قوتها أنها لا تقدّم تفسيراً للأحداث فحسب، بل تمنح صاحبها موقعاً داخل هذا التفسير. فقد يجد فيها سبباً لفقره، أو لهزيمة بلاده، أو لخوفه من المستقبل، ثم يجد فيها أيضاً عدواً يواجهه، ودوراً يؤديه، وغايةً تستحق التضحية.
لهذا لا تكون الأيديولوجيا بالضرورة كاذبة أو خطيرة. فقد ساهمت منظومات فكرية في مقاومة الاستعمار وتوسيع الحقوق وتغيير مجتمعات كاملة. لكنّ المشكلة تبدأ عندما تتحول من طريقة لفهم الواقع إلى منظومة محصّنة ضده، لا تسمح لأي واقعة بأن تهزّ يقينها.
وهنا تبرز إحدى خصائصها الأكثر تأثيراً: إنها لا تزوّد الإنسان بالأجوبة فقط، بل تساهم في تشكيل الأسئلة التي يعتبرها مشروعة، والوقائع التي يلاحظها، والمعايير التي يحاكم بها الآخرين.
ذلك أن الأيديولوجيا، في الاستخدام الشائع، تكاد تكون دائماً ما يؤمن به الآخرون. أما ما نؤمن به نحن، فهو الحقيقة أو المنطق أو المبادئ.
وتلك إحدى الأسباب التي تجعل النقاش بين جماعتين متعارضتين يدور أحياناً في حلقة مغلقة: كل طرف يعتقد أنه يناقش الوقائع، فيما يتهم الطرف الآخر بأنه أسير أفكاره المسبقة.
وهنا قد تتجاوز الايديولوجيا تفسير العالم إلى محاولة حكمه. ولعلّ أكثر تجليات ذلك وضوحاً تلك التي تستمد مشروعيتها من مستقبل لم يأتِ بعد. ليست النبوءات الدينية سوى إحدى صور هذه الظاهرة، لكنها تكشف بوضوح كيف يمكن لتفسير المستقبل أن يتحوّل إلى سلطة على الحاضر.
لا تتساوى التجارب التالية في عقائدها أو وسائلها أو نتائجها. لكنها تلتقي عند مفارقة يصعب تجاهلها: أحداث لم تقع بعد، استطاعت تفسيراتها أن تؤثر في أحداث وقعت بالفعل.
والسؤال هنا ليس عن صحة النبوءات، بل عن السلطة التي يكتسبها من يتولى تفسيرها. فبين الإيمان بمستقبل موعود، واتخاذ قرارات باسم ذلك المستقبل، مساحة واسعة من الخيارات البشرية التي تستحق المساءلة.
وربما تبدأ الحكاية من أكثر هذه المفارقات بساطةً وتعقيداً في آن واحد: كيف يمكن للانتظار أن يتحول إلى ايديولوجيا لا تتوقف عن العمل؟
انتظار الفرج… حين يتولّى الحاضر إدارة الغياب
في العقيدة الشيعية الاثني عشرية، يُنتظر ظهور الإمام المهدي ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً. لكنّ قرون الانتظار طرحت سؤالاً سياسياً: مَن يتولّى شؤون الناس خلال غيبته؟
تعدّدت الاجتهادات، قبل أن يجعل روح الله الخميني ولاية الفقيه ركيزةً دستورية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979.
وهكذا، لم يُنهِ غياب الإمام مسألة السلطة، بل أصبح جزءاً من الإجابة عن سؤال مَن يستحقها.
لم يتبنَّ جميع الشيعة هذه النظرية. لكنّ التجربة الإيرانية أظهرت كيف يمكن لتفسير ديني أن يتحوّل إلى أساس لشرعية الحكم.
وفي لبنان، أعلن حزب الله عام 1985 التزامه بقيادة الولي الفقيه، وارتبط انتظار الفرج في خطابه بالعمل والاستعداد والثبات، لا بالانتظار السلبي. وقد يكون الانتظار، في السياسة، أكثر المفاهيم قدرةً على إنتاج الحركة.
لكنّ الإيمان بظهور الإمام لا يحدّد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، ولا مَن يملك قرارها. تلك خيارات بشرية تتداخل فيها العقيدة مع المصالح الأمنية والاستراتيجية والصراعات الإقليمية.
وهنا تكمن المعضلة: حين تكتسب القرارات السياسية شرعية تتجاوز السياسة، قد تصبح مساءلتها أصعب، حتى عندما يتحمّل نتائجها مجتمع متعدد الانتماءات.
ليس السؤال مَن سيملأ الأرض عدلاً عند ظهوره، بل مَن يملك حق تقرير مصير الناس حتى ذلك الحين؟
عودة المسيح… فلسطين على جدول أعمال السماء
على بُعد آلاف الكيلومترات من القدس، ثمة من يقرأ أخبارها كما يقرأ فصولاً من نبوءة.
فبالنسبة إلى بعض التيارات الإنجيلية الأميركية، تحتل إسرائيل موقعاً في أحداث يُعتقد أنها تسبق المجيء الثاني للمسيح. وتعود جذور هذه القراءة الحديثة إلى تيارات بروتستانتية في القرن التاسع عشر، أبرزها التدبيرية المرتبطة بجون نلسون داربي.
في استطلاع لمركز بيو عام 2003، رأى 63% من الإنجيليين البروتستانت البيض المشمولين أن إسرائيل تمثّل تحقيقاً لنبوءة كتابية، فيما اعتبر 72% أن الله منح أرض إسرائيل لليهود.
وفي حين يبحث الفلسطيني عن جواب لسؤال الأرض التي يعيش عليها، قد يجد المؤمن الأميركي جوابه في تفسير لنبوءة كُتبت قبل قرون.
لا يؤمن جميع الإنجيليين بهذه القراءة، ولا يُختزل الدعم الأميركي بمئات المليارات لإسرائيل في الدين؛ فهناك مصالح استراتيجية وعسكرية وسياسية. لكنّ العقيدة قد تؤثر في الطريقة التي تُفهم بها تلك المصالح.
وحين تصبح الأرض جزءاً من وعد إلهي، قد تبدو التسوية السياسية اعتراضاً على مسار مقدّر. وهكذا لا تكتفي الأيديولوجيا بتفسير الصراع، بل تؤثر في تحديد الحلول التي يعتبرها أصحابها مقبولة أصلاً. فالمشكلة ليست أن ينتظر المؤمن عودة المسيح، بل أن يصبح انتظار المسيح سبباً لتضييق الخيارات السياسية أمام أناس لم يختاروا أن يكونوا جزءاً من نبوءته.
داعش... خلافة من الماضي ومعركة من المستقبل
في حزيران 2014، أعلن "داعش" قيام "الخلافة الإسلامية"، مقدّماً مشروعه باعتباره استعادةً لسلطة تاريخية. واستثمر الحرب السورية والتوترات المذهبية وتهميش قطاعات من السنّة العراقيين ليقنع أتباعه بأن خلاصهم يبدأ بإلغاء النظام القائم.
لكنّ التنظيم لم يكتفِ باستدعاء الماضي، بل استعان بروايات آخر الزمان ليمنح حروبه غاية تتجاوز السيطرة على المدن. وقد رأينا في دابق كيف أمكن تأويل الهزيمة بدلاً من مراجعة الاعتقاد.
هكذا امتلك التنظيم روايتين تحمي إحداهما الأخرى: ماضياً مثالياً يبرّر قيامه، ومستقبلاً موعوداً يبرّر استمراره. أما الحاضر، بكل ما فيه من بشر ومدن وحياة، فكان المساحة التي تُدفع فيها كلفة الروايتين.
ولا تمثّل هذه القراءة المتشددة المعتقدات السنية عموماً. لكنها تكشف وظيفة أخرى للأيديولوجيا: قدرتها على حماية نفسها من الوقائع، حتى يصبح الفشل امتحاناً للإيمان، لا سبباً لمراجعة المشروع.
فالتنظيم الذي وعد أتباعه بمكان في معركة نهاية الزمان، لم يكن بحاجة إلى انتظار نهاية العالم كي يخلّف وراءه كل هذا الخراب.
عقول خارج جدران البيت
لعلّ أكثر ما تكشفه هذه التجارب أن السيطرة على الإنسان أعقد احياناً مما يتخيّل أصحاب الايديولوجيات الكبرى، وأسهل أحياناً مما نحبّ أن نعترف.
ولنعد إلى الطفلين. ماذا لو لم يولدا في مدينتين مختلفتين؟ ماذا لو كانا شقيقين، يعيشان تحت سقف واحد، ويسمعان الحكايات نفسها، ثم يكبران على قناعات متناقضة؟
الأهل الذين يعرفونهما منذ ولادتهما لا يستطيعون ضمان اتجاه أفكارهما. لكنّ حزباً لم يعرفهما يوماً، أو عقيدةً نشأت قبل ولادتهما بقرون، قد تنجح في استمالة أحدهما أو كليهما.
فالأيديولوجيا لا تحتاج إلى معرفة تفاصيل حياة الإنسان؛ يكفي أن تقدّم له رواية واسعة يجد لنفسه مكاناً فيها، وعدوّاً يفسّر مخاوفه، ومستقبلاً يمنح معاناته معنى، وكلما اتسعت الرواية، ازدادت قدرتها على استيعاب تجارب متناقضة، حتى يصبح في وسع أشخاص لم تجمعهم حياة واحدة أن يعتقدوا أنهم يعيشون القصة نفسها.
وهنا تكمن براعتها، وخطورتها أيضاً: أنها لا تفرض على الجميع أن يعيشوا الحياة نفسها، بل تقنعهم بأن لحيواتهم المختلفة تفسيراً واحداً.
ولعلّ المفارقة الأخيرة أن الأهل قد يعجزون عن إقناع ولدين يعيشان في بيت واحد بالفكرة نفسها، فيما تنجح أيديولوجيا واحدة في إقناع ملايين الغرباء بأنهم أبناء البيت نفسه.