د. سيلفا بلوط

الذات المؤدلجة وأعطابها السيكولوجية والمعرفية

8 دقائق للقراءة
في الأيديولوجيا يُنظَر إلى الألم بوصفه ضعفًا أو نقصًا في الإيمان بالقضية

ظهر مصطلح الأيديولوجيا في أواخر القرن التاسع عشر لدراسة نشوء الأفكار بالطريقة نفسها التي تدرس بها العلوم الطبيعية. لكنه تحول في استعمالاته ليشير إلى منظومة مترابطة من الأفكار والقيم والتصورات والممارسات التي تجعل نظامًا معينًا طبيعيًا ومشروعًا وعقلانيًا أو حتميًا. فلا تمارس السيطرة بالقوة وحدها، بل عبر تشكيل الطريقة التي يفهم بها الناس أنفسهم والعالم، وترسيخ معايير تحدد للإنسان ما يريد وما يراه صحيحًا وما يعتبره ممكنًا. وذلك لغرض إحكام سيطرة ناعمة وتوليد استجابة طوعية لا يشعر الفرد معها أنه يطيع بل يعتقد أنه يتصرف وفق الحس السليم.

وقد انصبت أكثر التحليلات على ممارسات الأيديولوجيات لإحكام السيطرة الطوعية في الواقع السياسي والإنتاجي، لكنها لم تعط عناية كافية بالتشوهات الذاتية التي تحدثها في التكوين النفسي للإنسان والأعطاب التي تتسب بها في وظائفه النفسية وبناه الإدراكية. بخاصة حين يصير الغيب الديني عنصرًا مكوِّنا للخطاب الأيديولوجي الذي لا يكتفي بترسيخ طاعة خارجية، وإنما إعادة إنتاج الإنسان، بتكوينه السيكولوجي ونشاطه الإدراكي، خلقًا آخر مناقضًا لتكوينه الطبيعي.

هذه المنظومات لا تقتصر على توجيه السلوك السياسي أو تنظيم الحياة العامة، بل تمتد إلى مستوى أكثر عمقًا يتمثل في تشكيل البنية النفسية والمعرفية للفرد. ولا تكتفي بتحديد ما ينبغي للإنسان أن يفعله، وإنما بإملاء ما يجب عليه أن يفكر فيه، وكيف يفسّر الواقع ويشعر تجاه ما يعيشه، لتتحوّل الأيديولوجيا من إطار سياسي يحكم السلوك الخارجي إلى جهاز نفسي يتولّى، بصورة تدريجية، الوظائف التي يُفترض أن يضطلع بها الفرد بنفسه في التعامل مع الواقع والاستجابة للمحيط. أي من سلطة أمر تفرضها القوة المادية إلى استدخال الطاعة (interiorization) كجزء من تكوينه الذاتي وبنيته السيكولوجية.

عندما يقدم النظام رؤية شمولية تتضمن تفسيرات جاهزة لكل حدث، فإنه يعفي الفرد من التفكير ومن عناء مواجهة الغموض واللايقين، ويغلق عليه منافذ الشك وموجبات السؤال. لتتراجع بموجب ذلك القدرة الذاتية على التحليل والنقد، ويشتد الاتكال على منظومة خارجية تقدم له الإجابات المبرمة والمعنى الجاهز. وهكذا، يفقد الفرد شيئًا فشيئًا استقلاليته الفكرية، وتتعطل قدراته الذهنية، الأمر الذي يحدث انفصامًا عن الواقع، تجعل الفرد ينظر إلى الواقع الفعلي بازدراء ويعيش عالمًا متخيلا يراه واقعًا حقيقيًا رغم عدم واقعيته.

ولا يقتصر هذا التأثير على المجال المعرفي، بل يطال أيضًا الحياة النفسية. إذ ينظر التحليل النفسي إلى آليات الدفاع باعتبارها عمليات داخلية يستخدمها الفرد بغية التعامل مع القلق والصراعات والانفعالات المؤلمة. غير أن النظام الأيديولوجي يستطيع أن يحوّل هذه الميكانيزمات إلى ظواهر جماعية منظّمة، تتبنّاها المؤسسات والخطابات. وعندما ينكر حزب أيديولوجي أو زعيم كاريزمي ذو وهج ديني وجود هزائم أو انتكاسات أو مسوّغات للألم، فإنه لا يقدّم مجرد خطاب سياسي لإقناعهم، بل يمارس نيابة عن أتباعه خطابًا تأويليًا للواقع، يصوّر الواقع على غير حقيقته، ويعمّم سلوكًا قيميًا ذا دلالة مقدسة حول كيفية الاستجابة الباطنية للألم والمعاناة والفقدان، أي يقدّم وظيفة نفسية مصطنعة لاستيعاب الصدمة والتعالي على الألم والفقدان.

وبذلك يصبح الفرد أقل حاجة إلى تشغيل جهازه النفسي الخاص، لأن النظام قد تَكفَّل بهذه المهمة عنه. لكن النتيجة لا تتبدّى في حماية الصحة النفسية، بقدر ما هو إضعافها تدريجيًا. إذ تتراجع قدرة الإنسان على تحمل التوتر الداخلي، ويعجز عن إدارة الصراع النفسي، وعن تقبّل التعارض بين المشاعر المختلفة، وهي كلها وظائف أساسية لأي شخصية سوية، وتعطيلها يعني إحداث عطب بنيوي في الوظيفية النفسية الطبيعية.

يعد التناقض العاطفي أحد أبرز المؤشرات على نضج الحياة السيكولوجية. فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بالحزن والفخر في آن واحد عند فقدان قريب، أو أن يعيش الأمل والخوف معًا بعد أي حدث صادم، أو أن يجمع بين الولاء لجماعته والاحتفاظ بهويته الفردية. و لا تقوم السلامة النفسية على إلغاء هذه المشاعر المتعارضة، بل على القدرة على استيعابها والتعايش معها.

لكن النظام الأيديولوجي يعمل على تعطيل هذا التعدد الانفعالي من خلال فرض تفسير واحد للواقع. فعلى سبيل المثال، وفي حالة فقدان "شهيد"، مثلًا، قد يُختزل الحدث في خطاب الفخر والتمجيد والبطولة، ليُنظَر إلى الألم بوصفه ضعفًا أو نقصًا في الإيمان بالقضية. وكذلك الأمر عند وقوع كارثة أو هزيمة، إذ تُفرض رواية جاهزة من قبيل: "التضحية ضرورية"، أو "العدو وحده مسؤول"، أو "لقد انتصرنا أخلاقيًا". وتأتي النتيجة في إلغاء مشاعر الشك والحيرة والغضب والأسى في باطن الفرد، ومنعه من التعبير عنها بحرية وصراحة في المجال العلني العام، بالرغم من أنها تمثل استجابات إنسانية طبيعية، ويكون إظهار الفرد لها رسالة اجتماعية ذات مضمون وجداني يبثها الأفراد المفجوعون إلى محيطهم بغرض التعبير العفوي عن ألمهم أو نكبتهم، ومسعى منهم لإشراك الآخرين في مصابهم.

إن اختزال الواقع في تفسير واحد لا يقيّد الانفعالات فحسب، بل يعزّز أيضًا نمطًا من التفكير الأحادي، حيث تصبح الحقيقة واحدة، والتفسير واحدًا، والموقف المشروع واحدًا. وعند هذه النقطة، تتحول آليات الدفاع من وسائل لحماية الفرد إلى أدوات لضبطه سياسيًا ونفسيًا في الوقت عينه. أي تتحول من آليات قادرة على مقاومة الواقع، أو التكيّف الإيجابي مع الواقع، أو تحويله وإعادة بنائه، إلى تكوين ذاتي يتلقّى الواقع بإرادة مسلوبة ووعي مغترب وخمول نفسي عاطب لأي طاقة باطنية متدفقة.

وتزداد هذه الدينامية وضوحًا داخل الحركات الدينية أو السياسية التي تؤسس هويتها على قضايا كلية وشمولية. هذه الحركات لا تنظّم النشاط السياسي والعسكري وفق أطر مشروعية سياسية أو أفق إنمائي، إنما تسعى إلى تعميم سردية جماعية تعيد تشكيل التجربة النفسية للأفراد بما يخدم استمرارية النظام وتماسكه. حيث تعمد، من خلال هذه السردية، إلى تحوير المعاني والتلاعب بالوظائف النفسية وكبت تفاعلاتها الطبيعية في وضعيات الألم والخسارة والتضحية، فيتحول معها الفقد إلى بطولة، والمعاناة إلى شرف، والخسارة إلى انتصار، والتهجير إلى ابتلاء إلهي.

ومع استمرار هذه العملية، تتقلص المساحة الداخلية التي يسأل فيها الإنسان نفسه: "من أنا؟"، "ماذا أريد؟" و"هل تعبّر قناعاتي حقًا عني؟". وفي هذه الحال، بدلًا من أن تتشكل الهوية انطلاقًا من التجربة الشخصية، يُعاد بناؤها وفق متطلبات الجماعة المتراصة والمتطابقة في تكوينها الباطني وآليات استجابتها لمؤثرات الخارج، فتتلاشى معها الذات المتفردة لحساب الذات الجمعية، فلا يعود الفرد يعي نفسه سوى داخل محددات مُسبقة ومُنَزَّلة، ينقلب معها سياق بناء الذات، من ذات تصنع ذاتها إلى ذات تهجر ذاتها وتتخلى عنها، لأجل ذات خطّها يومًا مفكر طموح أو زعيم مغامر.

وعندما تصبح التفسيرات الرسمية هي الوحيدة المقبولة، يتحول الشك والتفكير النقدي، وحتى الصراع النفسي الطبيعي، إلى علامات على ضعف الولاء أو الخيانة. ولا يعود المطلوب من الفرد أن يلتزم بسلوك معين فقط، بل أن يشعر بالطريقة التي يحددها النظام أيضًا. وهنا، يبلغ الاستدخال الأيديولوجي أوجه، وهو يستبدل المثال الشخصي للفرد بالمثال الذي تفرضه المنظومة، وتتشكل بذلك الانفعالات والقيم والمواقف وفق توقعاتها.

ولا تتوقف النتائج عند حدود العلاقة بين الفرد ونفسه، بل تمتد إلى علاقاته بالآخرين. فقد يُنظر إلى كل من يقدّم أو يطرح تفسيرًا مختلفًا للواقع بوصفه تهديدًا أو خصمًا، مما يغذّي العدوانية ويضعف إمكان الحوار ويعزّز الانغلاق داخل جماعة متجانسة فكريًا وانفعاليًا. كما قد تتحول بعض آليات الدفاع، كالإسقاط أو الإنكار، إلى وسائل جماعية للمحافظة على تماسك المنظومة، حتى لو كان ذلك على حساب الاعتراف بالواقع.

في المحصلة، لا يخلق النظام الأيديولوجي مجتمعًا منضبطًا فحسب، بل ينتج إنسانًا أحادي البعد، تتراجع لديه القدرة على التفكير المستقل، وتحمّل التناقض، وإدارة الصراع النفسي، وبناء هوية شخصية متمايزة. وعندما تُصادر الفرادة الإنسانية لصالح الهوية الجمعية، يصبح المجتمع أكثر انغلاقًا وأقل استعدادًا للمراجعة والنقد والتحول الأخلاقي. ومثلما تتعطل قدرات الفرد الذاتية في التعامل مع الواقع بنحو مستقل، فإن الأمر نفسه يحصل للمجتمع نفسه، حيث تتلاشى، في ظل دوغما معزّزة بغيبيات آسرة ومرعبة، تعدديته وتنوعه وديناميته وأطر العلاقات الحرة والمتحولة.

لا تعود المعركة مع أنظومات السيطرة المؤدلجة معركة حرية قرار وتحرر من ربقة هيمنة فحسب، بل انتشالًا للذات من تكوين مصطنع وزائف وعاطب، واستعادةً لطاقتها المتدفقة وقواها الحية في وعي ذاتها وخلق مداها الخاص بها.