بعد نحو شهر على انطلاق العام الدراسي، لا تزال بعض المدارس الرسمية في قرى منطقة مرجعيون تواجه تحديات تتجاوز أضرار الحرب وصعوبة ترميم المباني، لتشمل تأمين الكتب واللوازم المدرسية، وكلفة الإنترنت، ونقص الموارد البشرية، وغياب الدعم التربوي والنفسي والاجتماعي. وفي وقت تحاول فيه العائلات استعادة حياتها في القرى الحدودية، تجد المدارس نفسها أمام مهمّة مزدوجة: استئناف التعليم من جهة، والمساهمة في تثبيت الأهالي في أرضهم من جهة أخرى، بإمكانات محدودة لا تتناسب مع حجم الأضرار والاحتياجات.
ففي بعض القرى المحتلّة، حيث كان عدد التلامذة في إحدى المدارس يقارب 700 قبل الحرب، انخفض العدد إلى نحو 150 تلميذًا يتابعون تعليمهم حضوريًا في مدارس بديلة، فيما لا يتجاوز عدد الحاضرين في بعض المدارس الأخرى التي لا تزال تستقبل التلامذة في المنطقة 50 تلميذًا. وبين مبانٍ تنتظر الترميم، وعائلات تعاني أعباء النزوح والعودة، وهيئات تعليمية تتمسّك بمواصلة رسالتها، تتكشف صورة واقع تربوي هشّ يحتاج إلى أكثر من قرارات إدارية ومسوح ميدانية.
وتختصر مديرة إحدى المدارس الرسمية خلال جولة لـ"نداء الوطن" على بعض مدارس منطقة مرجعيون جانبًا من هذه المعاناة، معتبرةً أنّ المؤسسات التربوية تُترك لمواجهة مصيرها من دون دعم كافٍ، ماديًا كان أم معنويًا. وأنّ الاحتفالات بانطلاق العام الدراسي في مناطق لبنانية مختلفة، تزيد الإحساس بالتفاوت، في وقت لا تزال فيه المدارس الحدودية تكافح لتأمين أبسط مقوّمات التعليم. وتشدد على أنّ الأولوية بالنسبة إلى الأهالي الذين عادوا إلى المنطقة هي إيجاد مدارس تستقبل أبناءهم، حتى قبل استقرار الأوضاع الأمنية بصورة كاملة، مشدّدةً على أنّ العودة لا تكتمل من دون مؤسسات فاعلة ومدارس قادرة على احتضان التلامذة.
وتشير إلى أنّ وزارة التربية اتخذت في بداية العام قرارًا بنقل التلامذة من القرى المحتلّة إلى مدارس أخرى في منطقة مرجعيون، لكنّ هذا الخيار لم يُنفّذ عمليًا بسبب تعذّر التحاقهم بتلك المدارس، من دون أن تُعالج المشكلة بالشكل المطلوب. وترى أنّ التربية ينبغي أن تبقى بمنأى عن الاعتبارات المناطقية والمذهبية والدينية والسياسية، وأن تؤدي دورها في إحداث تغيير إيجابي في المجتمع، انسجامًا مع شعار "بالتربية نبني".
خسائر تربوية تراكمت خلال ثلاثة أعوام
لا تنحصر المشكلة في تأمين مبنى بديل أو إعادة فتح الصفوف، إذ يواجه التلامذة خسائر تعليمية متراكمة نتيجة الانقطاع المتكرر عن الدراسة خلال الأعوام الماضية. ففي العام الدراسي 2024- 2025، لم يُستأنف التعليم الحضوري إلا في نيسان، فيما توقّف التدريس في مطلع آذار من العام الدراسي 2025- 2026، ما حال دون انتظام العملية التعليمية في كلا العامين. وتتجاوز الخسائر ما يمكن تعويضه بإجراءات سريعة أو معالجات سطحية، إذ تحتاج إلى متابعة تربوية مستمرة تراعي التفاوت في مستويات التلامذة واحتياجاتهم النفسية والتعليمية.
وتقول معلمة إحدى المدارس التي أقفلت بسبب الاحتلال، إنّ المدرسة هي الأقدر على مواكبة تلامذتها، لأنها تعرف قدراتهم ومشكلاتهم وتاريخهم التعليمي، على غرار طبيب العائلة الذي يستطيع تحديد احتياجات المريض استنادًا إلى معرفته السابقة بحالته. وهذا ما يدفعها إلى الإصرار على مواصلة العمل وعدم التخلّي عن الأهالي الذين اختاروا العودة إلى قراهم وإعادة أبنائهم إلى مقاعد الدراسة.
ترميم محدود ومحاولات لإعادة الحياة
في مدرسة بلاط الرسمية، التي تستقبل تلامذة من مدارس وقرى محتلّة، بدأت قبل أيام أعمال تركيب النايلون، فيما لا تزال أعمال الترميم المطلوبة تنتظر التنفيذ، في ظل ظروف استثنائية تعمل فيها المدارس بإمكانات محدودة. ولا تقتصر أهمية إعادة فتح المدارس على استئناف التعليم، بل ترتبط مباشرةً باستمرار وجود الأهالي في قراهم. فغياب المدارس أو تعذّر الالتحاق بها يهدّدان بتراجع الحياة الاجتماعية وتفرّق السكان وإضعاف ارتباطهم بأرضهم.
الكتب والإنترنت: أعباء تتجاوز قدرة العائلات
إلى أضرار المباني، تُضاف أزمة الكتب واللوازم المدرسية. فكثير من العائلات التي اضطرت إلى النزوح ليلا لم تتمكّن من اصطحاب الكتب والمستلزمات معها، ما جعل تأمينها عبئًا جديدًا لا يمكن تجاوزه بالاعتماد على الكتب الإلكترونية وحدها. وفي حين لا تزال بعض الأسر تعتمد التعليم عن بُعد، بانتظار التمكّن من العودة إلى قراها، تتمسّك المدارس بالتعليم الحضوري، حتى لو اقتضى الأمر متابعة التدريس داخل خيمة.
وتأسف إحدى المعلمات لغياب الدعم الذي يحتاج إليه تلامذة القرى الحدودية، مشيرةً إلى أنّ الطلاب النازحين استفادوا في مراحل سابقة من مساعدات أممية، شملت مواد غذائية وتغطية تكاليف الإنترنت، فيما لا يحصل تلامذة القرى اليوم على دعم مماثل، على الرغم من الظروف الصعبة التي يواجهونها.
ويزداد واقع المدارس صعوبةً مع وقف الاستعانة بالأساتذة المتعاقدين على أساس الساعة، رغم الحاجة إليهم لسدّ النقص وتأمين استمرارية التدريس، ما يضع المدارس أمام تحدٍّ إضافي في الحفاظ على الحد الأدنى من انتظام العملية التعليمية.
العدالة في التعليم... حق لا امتياز
إلى جانب التحديات التعليمية والمعيشية، تبرز مسألة العدالة في توزيع الاهتمام والدعم بين المناطق اللبنانية. في المدارس الحدودية، وفق ما يؤكد العاملون فيها والأهالي، لا تطلب امتيازات خاصة، بل تسعى إلى الحصول على الحقوق نفسها التي تتمتع بها سائر المدارس، بما يسمح لها بمواصلة التعليم وتأمين بيئة مناسبة للأطفال.
وفي هذا السياق، قالت إحدى السيدات،"أنا مواطنة أعيش على الحدود، ولديّ شعور عميق بأنّ العدالة حق تاريخي لنا، وليست مجرد مطلب عابر. لم نتخلّ يومًا عن واجباتنا تجاه وطننا، ولم نرفع إلا العلم اللبناني، ولم يكن نشيدنا إلا النشيد الوطني اللبناني، الذي نردّده كأنّه صلاتنا اليومية".