ما نشهده اليوم في لبنان ليس أزمة سياسية عابرة، أو خلافًا داخليًا حول سلاح يمكن تأجيله. ما نشهده هو لحظة وجودية فاصلة، تحدد مصير الوطن لعقود مقبلة. تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي اليوم باجتياح بري جديد لجنوب لبنان، وضرب الضاحية الجنوبية، والتلويح بتهجير مليون لبناني شيعي من الجنوب، ليس كلامًا إعلاميًا للاستهلاك. في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، التهديد العلني هو جزء أساسي من الحرب النفسية التي تسبق أي عملية عسكرية.
هذا التهديد يجب أن يُقرأ بجدية مطلقة، لأنه يأتي في سياق تحول استراتيجي كامل في المنطقة.
القراءة العسكرية للتهديد تقول بوضوح إن إسرائيل اليوم ليست إسرائيل ما قبل السابع من أكتوبر. إسرائيل بعد حرب غزة المدمرة، وبعد توجيه ضربات قاسية لإيران وصولا إلى استهداف رأس هرم القيادة فيها، وبعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، تعتبر نفسها في لحظة تاريخية لإعادة رسم حدودها الأمنية بشكل نهائي. الجبهة الشمالية بالنسبة لها لم تعد تحتمل التأجيل أو المساومة.
"حزب الله" اليوم، من الناحية العسكرية البحتة، ليس "حزب الله" عام 2006 ولا حتى عام 2023. التقارير العسكرية الغربية الموثوقة تتحدث عن تدمير أكثر من سبعين بالمئة من ترسانته الصاروخية الدقيقة. القيادة العسكرية العليا للحزب، من الصف الأول والثاني، تم استهدافها بشكل شبه كامل. والأخطر من ذلك كله، أن خطوط الإمداد الاستراتيجية من إيران عبر سوريا، مرورًا بمنطقة القصير وحمص، قد قُطعت بالكامل بعد سقوط النظام السوري السابق وصعود سلطة جديدة في دمشق تعتبر "حزب الله" عدوًّا مباشرًا لها. الحزب اليوم يقاتل وهو مكشوف، بلا عمق جغرافي سوري يحميه، وبلا غطاء جوي إيراني يمكنه الاعتماد عليه.
إسرائيل تدرك هذه الحقيقة الميدانية بدقة. لذلك هي تتحدث بلغة التهجير. التهجير في القاموس العسكري الإسرائيلي ليس مجرد عقاب جماعي، بل هو تكتيك عملياتي مدروس. إفراغ الحاضنة الشعبية يعني حرمان المقاتل من بيئته اللوجستية والاستخباراتية والبشرية. هذا هو النموذج الذي طبقته إسرائيل في غزة، وهي تلوح اليوم بتكراره في جنوب لبنان. وهذا يعني أننا لسنا أمام غارات محدودة، بل أمام تحضير لعملية برية واسعة النطاق تهدف إلى إقامة شريط أمني جديد.
التلويح بضرب الضاحية مجددًا يحمل هدفًا مزدوجًا. من جهة، هو استهداف ما تبقى من مركز القيادة والسيطرة والتحكم لـ"حزب الله". ومن جهة ثانية، هو رسالة سياسية واضحة بأن معادلة الضاحية كمربع أمني محمي بتوازن الردع السابق قد انتهت إلى غير رجعة.
هذا المشهد العسكري الخطير لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي المتفجر. المنطقة كلها تغيرت، ولبنان الرسمي ما زال يتعاطى بعقلية الماضي. إيران، الراعي الأساسي لـ"حزب الله"، دخلت بعد الضربات الأخيرة ومقتل مرشدها في مرحلة انكفاء استراتيجي وجودي. طهران اليوم تفاوض من أجل بقاء نظامها الداخلي، وليس من أجل بقاء أذرعها في الخارج. "حزب الله" لم يعد أولوية مطلقة في طهران، بل أصبح ورقة تفاوضية.
التحول الثاني والأهم هو سوريا. سقوط محور الإمداد السوري هو الزلزال الحقيقي الذي ضرب "حزب الله". الحدود اللبنانية - السورية اليوم تضبطها قوى سورية جديدة ترى في "حزب الله" ميليشيا قاتلت الشعب السوري لسنوات. هذا يعني أن إعادة تسليح "الحزب"، كما كان يحصل في السابق عبر شاحنات تمر من حمص إلى بعلبك، أصبحت شبه مستحيلة.
أما الموقف الأميركي، فهو واضح لمن يريد أن يسمع. واشنطن لا تريد حربًا شاملة في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لن تمنع إسرائيل من ضرب "حزب الله". الرسالة الأميركية للدولة اللبنانية كانت ولا تزال واضحة ومباشرة: حرروا أنفسكم بأنفسكم من سلاح "حزب الله"، ونحن ندعم جيشكم بكل قوة، ونعيد إعمار بلدكم، ونعيدكم إلى الحضن العربي والدولي. وإذا لم تفعلوا، فإنكم تتركون إسرائيل تفعل ما تريد.
في هذا الفراغ الإقليمي والدولي، تكمن المعضلة اللبنانية الكبرى. الدولة اللبنانية لا تملك أي ورقة تفاوضية، لأنها ببساطة لا تملك قرارها العسكري.
لماذا تُعتبر "القوات اللبنانية" اليوم صمام الأمان؟
قد لا يتفق البعض معي في هذا التوصيف، لكن الجميع أصبح على قناعة بأن الحقيقة يجب أن تُقال بجرأة. في زمن التسويات القاتلة والمواقف الرمادية التي أوصلتنا إلى الانهيار، يبقى موقف "القوات" هو الموقف الوحيد المتكامل والواضح والصلب في مقاربة السيادة. "القوات" لا تقارب موضوع السلاح من زاوية طائفية أو كيدية. هي تقول: لا قيامة للبنان من دون حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والقوى الشرعية وحدها.
هذا الموقف الذي كان يُعتبر متطرفًا قبل سنتين، أصبح اليوم مطلبًا دوليًا وعربيًا وإجماعًا وطنيًا صامتًا. "القوات" تطرح الحل الوحيد الذي يجنبنا التهجير والاجتياح: انتشار الجيش اللبناني الكامل وتطبيق القرارات الدولية 1680 و1701 والقرار 1559 واتفاق الطائف بحرفيته.
على الحكومة ورئيس الجمهورية أن يتحملا مسؤوليتهما التاريخية. يجب إعلانها بكل وضوح: لا غطاء لأي سلاح خارج الدولة. ويجب إعطاء الأمر العملياتي الواضح للجيش بالانتشار لحماية أهل الجنوب قبل أي أحد آخر.
لم يعد هناك وقت للرمادية. إما أن نكون دولة ذات سيادة كاملة، وإما أن نكون ساحة مباحة يُهجر فيها شعبنا. التاريخ لن يرحم المتخاذلين.