وضعت السعودية أمس النقاط على الحروف في المواجهة مع إيران وأذرعها، محمّلةً الجمهورية الإسلامية مسؤولية التصعيد الأخير للمتمرّدين الحوثيين في تحرّكاتهم العسكرية في اليمن وهجماتهم الإرهابية ضدّ السعودية، عبر تشجيعهم ودعمهم وتسليحهم وتدريبهم. وحذّرت المملكة المجتمع الدولي من أنّ هجمات الحوثيين على المطارات المدنية لا تستهدف السعوديين فحسب، بل تهدّد حياة مسافرين من جنسيات مختلفة. كما دقّت الرياض ناقوس الخطر بشأن امتلاك الحوثيين قدرات عسكرية متقدّمة حصلوا عليها بمساعدة "أطراف إقليمية". وإذ أوضحت أنّها تواصل "إجراء اتصالات مباشرة مع إيران"، شدّدت على أنّ الإيرانيين غير قادرين على تقديم التنازلات اللازمة للتوصّل إلى حلّ. واتّهمت الحوثيين برفض عقد اجتماع في عُمان مع بداية التصعيد الأخير قبل بضعة أسابيع، مؤكّدةً أنّ آخر اتصال أجرته معهم كان آنذاك.
وكشف "تحالف دعم الشرعية في اليمن" أنّ الحوثيين نفّذوا 20 اعتداءً على مطار الملك خالد الدولي في الرياض منذ الأوّل من تشرين الأوّل، ما أسفر عن 17 وفاة وأكثر من 330 إصابة. وأشار إلى أنّهم حاولوا استهداف عشرات المطارات ومنشآت النفط والموانئ في المملكة، موضحًا أنّ حصيلة استهداف المطارات المدنية بلغت نحو 19 وفاة، إضافة إلى 364 إصابة. وردًّا على تلك الاعتداءات، نفّذ "التحالف" عملية نوعية دمّر خلالها، في غضون أيام، نحو 127 مخزنًا في المناطق الجبلية والعديد من منصّات الإطلاق. وشدّد على أنّ الحوثيين عملوا على الحصول على تقنيات متقدّمة بمساعدة أطراف إقليمية، ليصبحوا أوّل جماعة إرهابية تمتلك صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة هجومية وانتحارية وزوارق سريعة مفخّخة. وأكّد أنّ ذلك يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية منع الجماعات الإرهابية من الحصول على التقنيات والأسلحة المتقدّمة.
ويواصل الحوثيون هجماتهم الإرهابية ضدّ الحكومة اليمنية الشرعية والسعودية، إذ أطلقوا صواريخ على القصر الرئاسي في عدن، الذي يُستخدم أيضًا مقرًّا للحكومة الشرعية. ولم يُصب رئيس الوزراء اليمني وأعضاء مجلس الوزراء الذين كانوا في مجمّع قصر معاشيق الرئاسي بأذى، لكنّ تقارير صحافية أفادت بسقوط قتلى وإصابة أشخاص آخرين من جرّاء الهجوم. وكشف وزير يمني لوكالة "فرانس برس" أنّ الحوثيين "ضربوا مقرّ قوّات درع الوطن المدعومة سعوديًّا بثلاثة صواريخ ومقرّ قوّات التحالف بقيادة السعودية في المجمّع الرئاسي بصاروخين"، مشيرًا إلى سقوط قتلى وجرحى يمنيين وسعوديين.
كما استهدف الحوثيون مدينة مأرب المكتظّة بالسكّان بصواريخ باليستية. أمّا داخل المملكة، فأعلن "التحالف" اعتراض صاروخ كروز في منطقة المدينة المنوّرة، ومسيّرة في كلّ من المنطقة الشرقية والمنطقة الجنوبية ومدينة خميس مشيط. وأطلق الدفاع المدني السعودي إنذارًا مبكرًا لحالات الطوارئ في مدينتي جازان ونجران، ثمّ رفعه بعد دقائق. وتستمرّ المعارك الضارية في اليمن، فيما شدّد الحوثيون حصارهم على تعز، ثالث كبرى مدن البلاد، خلال الأيام الماضية. وأفادت مصادر عسكرية يمنية لـ "فرانس برس" بأنّ مواجهات تدور بين القوّات الحكومية والحوثيين على الأطراف الغربية والجنوبية للمدينة. وقال مسؤول حكومي إنّ "آلاف الأسر نزحت من أطراف مدينة تعز إلى وسطها، في ظلّ الحصار المفروض على المدينة ومنع دخول الاحتياجات الأساسية إليها". وكشفت القوّات الحكومية أنّها نفّذت، خلال الـ 24 ساعة الماضية، 1250 عملية استهداف دقيقة طالت مواقع وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين في مختلف الجبهات والمحاور.
من جهة أخرى، تواصل واشنطن عملية "المنبوذ الاقتصادي" ضدّ النظام الإيراني، في ظلّ جمود المفاوضات الأميركية - الإيرانية واستمرار الهجمات الإرهابية التي يشنّها "الحرس الثوري" على السفن في مضيق هرمز. وفرضت الخزانة الأميركية عقوبات جديدة تتعلّق بإيران، شملت 16 فردًا و10 كيانات. ودعت المؤسّسات المالية إلى الإبلاغ عن أيّ استغلال محتمل من جانب النظام الإيراني لشبكات الجمعيات الخيرية الدينية، بما في ذلك تحويل وجهة الأموال المتأتّية من الفرائض المالية الدينية، أو ما يُعرف بـ "الخُمس". وفي المقابل، اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أنّ طهران تواجه أشدّ حصار منذ الثورة الإسلامية عام 1979، متّهمًا واشنطن بالسعي إلى إثارة احتجاجات شعبية.
ومع تزايد احتمال عودة أميركا إلى العمليات العسكرية الكبرى ضدّ النظام الإيراني، كشفت شبكة "سي أن أن" أنّ الجيش الأميركي وضع خططًا جديدة لشنّ ضربات قد تشمل استخدام ما يُعرف بـ "أمّ القنابل" لاستهداف البنية التحتية للطاقة والمواقع النووية الإيرانية، إذا أصدر الرئيس دونالد ترامب أمرًا باستئناف العمليات القتالية، سواء قبل الانتخابات النصفية أو بعدها. وسيُشكّل استخدام هذه القنبلة الأميركية الضخمة من طراز "جي بي يو 43 بي" للمرّة الأولى في النزاع مع إيران تصعيدًا ملحوظًا. وهي أكبر قنبلة غير نووية في الترسانة الأميركية، لكنّ الشكوك تحيط بمدى فاعليتها في تحقيق أيّ من أهداف ترامب الاستراتيجية المعلنة أو ترجيح كفّة بلاده في الحرب.