حضرت قطر إلى بيروت بمزيج من الدعم والإنذار. ففي يدٍ، مشاريع الكهرباء لمساعدة لبنان على تبديد عتمته المزمنة، وبالأخرى راية التحذير من الانزلاق إلى أتون حرب جديدة. وعلمت "نداء الوطن" أنّ زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني ركّزت، إلى جانب ملفَّي الطاقة ودعم الجيش اللبناني، على الوضع الأمني، إذ نقل المسؤول القطري إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون وسائر المسؤولين رسالة مفادها أنّ انخراط "حزب الله" في أيّ حرب جديدة، سيجرّ الويلات على "الحزب" ولبنان معًا. وشدّد على أنّ حسابات المواجهة هذه المرّة تختلف عن سابقاتها، إذ إنّ واشنطن لن تكون قادرة على لجم إسرائيل، ولن يجد لبنان من يهبّ لنجدته إذا اندلعت الحرب. وإزاء هذا الخطر، أبدى الضيف القطري استعداد بلاده للاضطلاع بدور الوسيط، انطلاقًا من علاقاتها مع الدول المتصارعة في المنطقة. وأكّد أنّ الأولوية تبقى لتحييد لبنان عن أيّ حرب قد تندلع في أيّ لحظة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، محذّرًا من أنّ دخول لبنان هذه المواجهة عبر "حزب الله" سيعني فتح أبواب الجحيم عليه.
وفي تطوّر متصل بالمسار التفاوضي، أفادت معلومات "نداء الوطن" بأنّ واشنطن أبلغت بعبدا بأنّ المحادثات العسكرية في تامبا ستُعقد بين 20 و22 تشرين الأول. وسيتمثّل لبنان بالسفيرَين سيمون كرم وندى حمادة معوّض، إلى جانب الوفد العسكري اللبناني، فيما لم تتوافر حتى الساعة أيّ معلومات عن طبيعة الوفد الإسرائيلي ومستوى تمثيله أو الشخصيات التي ستشارك فيه.
وعلى خطّ الحراك الدبلوماسي الموازي، أشار مصدر سياسي لـ"نداء الوطن" إلى أنّ زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم إلى بيروت، تأتي في إطار مناقشة مستقبل "اليونيفيل" والقوات البديلة، إلى جانب بحث الوضع الأمني والعلاقات الثنائية. وأفادت المعلومات بأنّ الزيارة لا تحمل أيّ مبادرة وساطة فرنسية، في ظلّ عدم ترحيب الإسرائيليين والأميركيين بأيّ دور لباريس في هذا المجال.
باب الحلول المستدامة
بالعودة إلى الزيارة القطرية، برز ملف الكهرباء في صدارة المحادثات، وسط تقدّم في بلورة خطط استراتيجية يُعوَّل عليها لإيجاد حلول مستدامة لأزمة الطاقة. وخلال استقباله رئيس الوزراء القطري والوفد المرافق، أعرب الرئيس عون عن تقديره للدور الذي تؤدّيه الدوحة في مساعدة لبنان، وجرى البحث في مشاريع بلغت مراحل متقدّمة لمعالجة أزمة الكهرباء، بمشاركة شركة قطر للطاقة والقطاع الخاص، فضلا عن مشروع استراتيجي لربط لبنان بسوريا والعراق.
وانتقل المسؤول القطري إلى عين التينة، حيث التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، قبل أن يزور السراي الحكومي ويجتمع برئيس الحكومة نواف سلام. وتركّزت المحادثات على تأمين إمدادات الغاز وتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء، تمهيدًا لإبرام اتفاق شامل بين البلدين. وأعلن سلام اقتراب التوصّل إلى مشروع قطري لإعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء وتطويرها وتحديثها، تتولّى قطر تمويله وتنفيذه وتشغيله من دون أن تتحمّل الخزينة اللبنانية أيّ كلفة مسبقة، بهدف زيادة الإنتاج وخفض الكلفة وتحسين الإدارة. من جهته، أكّد رئيس الوزراء القطري الاتفاق على وضع إطار شامل للتعاون في قطاع الطاقة، يتضمّن مشروعًا استثماريًا ضخمًا يعود بالنفع على الاقتصاد اللبناني والجهات القطرية المشاركة.
جهود الصدّي تُثمر
في هذا الإطار، جاءت الخطوة القطرية تتويجًا للجهود التي بذلها وزير الطاقة والمياه جو الصدّي، من خلال اتصالاته وزياراته الدورية إلى الدوحة، والتي أسهمت في الدفع نحو بلورة مشاريع متوسطة الأمد، من شأنها إرساء استقرار مستدام في قطاع الطاقة. غير أنّ هذا الإنجاز لا يلغي اعتكاف وزير الطاقة، بما أنّ أسبابه تتعلّق بالأزمة الآنية التي يواجهها القطاع، وبدقّ ناقوس الخطر تفاديًا لتكرار سيناريو 17 آب 2024، حين غرقت البلاد في العتمة الشاملة في عهد الوزير السابق وليد فياض. ويأتي الانفتاح القطري على الاستثمار في قطاع الكهرباء في وقت يعيد فيه هذا الملف إلى الواجهة العروض والمساعدات الدولية التي "هشّلها" وزير الطاقة والمياه الأسبق جبران باسيل، وأبرزها عرض شركة "سيمنز" الألمانية لتنفيذ مشاريع لإنتاج الكهرباء في لبنان، فضلا عن عروض تمويل ميسّر من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.