يبدو أن لبنان يستعد لدفع فاتورة الحرب في الخليج، من دون أن يمتلك ترف الاستفادة من تداعياتها الاقتصادية المحتملة. فالحروب، كما الأزمات، لا توزّع خسائرها بالتساوي، وبعض الدول تنجح في تحويل المخاطر إلى فرص، فيما يكتفي لبنان، كعادته، بمراقبة الخسائر وهي تتراكم، ثم البحث عمّن يُعلّق عليه المسؤولية.
ما يجري في دول الخليج، ولا سيما في السعودية، يثير مخاوف جدية من انعكاسات مالية واقتصادية قد تتجاوز حدود المنطقة. ولبنان، الذي يعتمد بدرجة مهمة على اقتصادات الخليج، ليس في موقع يسمح له بالتعامل مع هذه التطورات باعتبارها أحداثاً بعيدة جغرافياً، لأن انعكاساتها قد تكون أقسى من انعكاسات الحروب التي عانى منها لبنان بشكل مباشر حتى الآن، من حرب الاسناد الى حرب الثأر.
أولى المخاطر تتمثل في احتمال تراجع تحويلات اللبنانيين العاملين في الخليج، وهي شريان أساسي لآلاف العائلات وللاقتصاد المحلي. ويضاف إلى ذلك احتمال اضطرار لبنانيين إلى مغادرة الدول التي يعملون فيها إذا تعطلت الأعمال. ومن المرجّح أن تتراجع العقود والخدمات الإلكترونية التي تقدمها شركات لبنانية لعملاء خليجيين، فضلاً عن احتمال تقلص المساعدات والاستثمارات الخليجية التي كان يُعوّل عليها في مرحلة ما بعد الحرب.
لكن المفارقة أن هذه المخاطر كان يمكن، نظرياً، أن تقابلها فرص ظرفية، لو أن لبنان أنجز الحد الأدنى من الإصلاحات التي طال انتظارها. فلو عولجت أزمة الانهيار المالي المستمرة منذ عام 2019، ونُفذ قرار حصرية السلاح، لكان ممكناً الترويج للبنان بوصفه وجهة أكثر استقراراً لاستثمارات تبحث عن توزيع المخاطر. وربما كان بعض اللبنانيين والخليجيين سيفكرون في نقل جزء من أموالهم أو أعمالهم إليه، ولو مؤقتاً، إلى حين انحسار المخاطر في المنطقة.
لكن كيف يمكن إقناع مستثمر بإيداع أمواله في بلد لم يحسم مصير أموال مودعيه؟ وكيف يمكن إقناعه بالاستثمار في اقتصاد لم يستكمل إصلاحاته الأساسية، فيما لا تزال الدولة عاجزة عن بسط سلطتها كاملة على قرار الحرب والسلم؟
هكذا، يبدو أن لبنان قد يواجه المعادلة الأكثر سوءاً: أن يتحمل الأضرار الناجمة عن اضطراب اقتصادات الخليج، من دون أن يكون مؤهلاً لجذب جزء من الأموال والأنشطة التي قد تبحث عن ملاذ بديل. وبذلك يتحمّل البلد خسائر الحرب، ولا يستفيد من الفرص التي تولها الحروب في هذه الحالات.
النتيجة المحتملة لما يجري في الخليج ليست مجرد تباطؤ اقتصادي عابر، بل مزيد من الضغط على المؤسسات والشركات، وتراجع فرص العمل، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، مع مخاطر إضافية على الاستقرار النقدي إذا تفاقمت الضغوط المالية.
في لبنان، لا نحتاج دائماً إلى أزمة جديدة كي نتعثر؛ يكفي أحياناً أن تأتي أزمة خارجية، فنكتشف مجدداً أن الفرص التي كان يمكن أن تخفّف خسائرنا قد أُهدرت سلفاً، بفضل براعتنا الاستثنائية في تأجيل المعالجات، وفي مقدمها ازمة الانهيار لإعادة الروح الى النظام المالي فبل فوات الأوان.