جاد الاخوي

"برلماني مفترض"… ودولة مع وقف التنفيذ

5 دقائق للقراءة

خرج علينا "برلماني مفترض" زهقت من ذكر اسمه في الفترة الأخيرة، ليطمئننا إلى أن حزبه لا يتحدّى الدولة. ولإثبات ذلك، أعلن أنه لا يعترف بقراراتها، واعترض على ضبط سلاح حزبه، ونصح موظفيها بالانتباه إلى مستقبلهم. يبدو أن التحدّي، في قاموسه، يبدأ فقط عندما تطلب الدولة من الحزب الإذن بالبقاء، فيرفض تجديد إقامتها.

الرجل، للإنصاف، متواضع. لا يريد أن يحلّ محلّ الدولة، ولا أن يكون بديلًا عنها. يريد فقط أن يقرّر عنها، وأن يعترض عليها، وأن يحدّد صلاحياتها، وأن يختار القرارات التي تستحق التنفيذ. أما ختم الجمهورية، فلا مانع من بقائه في عهدتها، توفيرًا لنفقات الطباعة.

وهذه قسمة عادلة جدًا: للحزب قرار الحرب، وللدولة إدارة النزوح. له نقل السلاح، ولها نقل الركام. له إعلان الصمود، ولها البحث عن التمويل. وإذا تأخّرت في دفع الفواتير، فهي مقصّرة. وإذا حاولت التدخّل في أسباب الفواتير، فهي متآمرة.

«أعطونا دولة»، يقول "البرلماني المفترض"، بنبرة من ينتظر طلبية تأخّر توصيلها.

وحين تحاول الدولة الوصول، يطلب منها البقاء عند الباب، لأن في الداخل سلاحًا لا يحق لها رؤيته، وقرارات لا يجوز لها مراجعتها، وشاحنات يُفضّل ألّا تتعب نفسها بتفتيشها. يريد دولة كاملة المواصفات، باستثناء السيادة، فهي قطعة إضافية لم يطلبها.

ثم يضع لها امتحان قبول. عليها أن تثبت أنها دولة قبل أن تطالب بحقوق الدولة. والممتحن، طبعًا، هو الحزب. أما النجاح، فله شرط بسيط: أن تثبت الدولة قوتها بالامتناع عن استخدامها معه. وإذا طبّقت القانون، رسبت فورًا بتهمة تنفيذ الإملاءات.

يا لروعة هذا المنطق: حين تعجز الدولة، يصبح السلاح ضرورة. وحين تحاول إنهاء عجزها، يصبح السلاح خطًا أحمر. المطلوب أن تنهض، ولكن من دون أن تقف؛ أن تحكم، ولكن من دون أن تقرّر؛ وأن تكون مرجعًا، شرط مراجعة المرجع قبل إصدار أي قرار.

أما الشاحنة، فقد وجد لها دفاعًا برلمانيًا لا يُشقّ له غبار: هل نقاتل بأكياس البطاطا؟

لا، طبعًا. لكننا لم نكن نعرف أن البديل من البطاطا هو إلغاء الجمارك والقضاء والأجهزة الأمنية. ولم ننتبه إلى أن عبارة «إلى الجبهة» تصلح لوحة تسجيل، وإذن مرور، وترخيص نقل، وإعفاءً من السؤال.

وبهذه المناسبة، نقترح تسهيل الإجراءات: كل شحنة يعلن صاحبها أنها للمقاومة تُمنح صفة دبلوماسية، وكل حاجز يوقفها يُحال إلى التحقيق بتهمة إعاقة الصمود. هكذا نختصر الوقت، ونوفّر على "البرلماني المفترض" مشقّة شرح البديهيات في كل احتفال.

لكن الجزء الأكثر لطفًا كان النصيحة للموظفين بألّا يربطوا مصيرهم بمصير السلطة. نصيحة أبوية، حنونة، تكاد تسمع معها صوت التربيت على الكتف. والمعنى واضح بما يكفي: انتبهوا، الحكومات تذهب، ونحن نعرف أسماء الذين أدّوا واجبهم.

هذا هو الإصلاح الإداري بنسخته المسلحة. بدل أن يسأل الموظف عمّا ينص عليه القانون، يسأل عمّن سيغضب من تطبيقه. وبدل أن ينظر الضابط في أوراق الشاحنة، ينظر في أفق المنطقة. أما القاضي، فعليه انتظار التسوية الكبرى قبل تحديد موعد الجلسة.

ولأننا بلد مؤسسات، يمكن إضافة بند إلى طلبات التوظيف: هل تستطيع أداء واجبك من دون إزعاج الحزب؟ إذا كان الجواب نعم، فأنت مرن. وإذا كان لا، فأنت أداة. وإذا أصررت على القانون، فأنت على الأرجح تتلقّى تعليمات عبر الواتساب.

الواتساب، بالمناسبة، متّهم خطير. يبدو أن المشكلة ليست في تلقّي التعليمات من الخارج، بل في نوع التطبيق وجنسية المرسِل. بعض الاتصالات وصاية، وبعضها تنسيق. بعض الرسائل إملاء، وبعضها بصيرة استراتيجية. والسيادة، في النهاية، تُقاس برمز الاتصال الدولي الذي يرتاح إليه الحزب.

ثم أخبرنا "البرلماني المفترض" أن المقاومة تمثّل أكثر من نصف البلد. لم يشرح كيف أحصى الناس، لكن لا داعي للتدقيق. ربما اعتبر كل من لم يعترض موافقًا، وكل من اعترض مضلَّلًا، وكل من صمت خائفًا مؤيدًا يحتاج فقط إلى قليل من التشجيع.

والطائفة، بحسب هذه المحاسبة، تُضاف تلقائيًا إلى الرصيد. لا حاجة إلى سؤال أبنائها عمّا يريدون. يكفي أن يعلن الحزب أن وجوده هو وجودهم، حتى يصبح الاعتراض على شاحنته اعتداءً على تاريخهم، وضبط سلاحه محاولة لشطبهم من السجل المدني.

يا لهذه الخدمة الجليلة: يحتكر تمثيل الناس، ثم يحتكر تفسير خوفهم، ثم يطالبهم بشكره لأنه يحميهم من المصير الذي لا يسمح لهم أصلًا بالمشاركة في تقريره. أما من يريد الدولة فعلًا، فيحتاج إلى شرح طويل لإثبات أنه لم يغادر طائفته.

وبالطبع، لا ينسى تذكيرنا بالحكمة التي منعت البلد من الذهاب إلى مكان آخر. نحن ممتنون لهذا الإفصاح. كنّا نظن السلم الأهلي حقًا عامًا، فإذا به وديعة يحتفظ الحزب بحق مراجعة شروطها كلما صودرت شاحنة أو استيقظ موظف على ضميره المهني.

غير أن المواطنين، وخصوصًا الذين خسروا بيوتهم، يستحقون أكثر من هذه المسرحية. لهم حق في الحماية والإعمار والمحاسبة، ولهم حق في السؤال عمّن يقرّر مصيرهم. لا يجوز تحويل حاجتهم إلى سقف يحميهم إلى حجة لحماية سلاح لا يملكون كلمة في استخدامه.

أما الدولة، فلتتوقف عن انتظار شهادة حسن سلوك من الذين يعترضون على قيامها. الموظف الذي ينفّذ القانون يستحق حمايتها، لا نصائحها بالتروّي. والضابط الذي يضبط شحنة يستحق دعمها، لا تركه وحيدًا أمام خطباء يشرحون له أن مستقبله يتوقف على حسن تقديره لمستقبلهم.

في النهاية، “البرلماني المفترض” صادق في نقطة واحدة: حزبه لا يريد أن يكون بديلًا عن الدولة.

فالبديل يتحمّل المسؤولية.

وهو يفضّل الاحتفاظ بالقرار، وترك المسؤولية لغيره.

دولة تحت الطلب، وحزب فوق الحساب. ثم يسأل، بكل براءة: أين الدولة؟ كما اعتقد بأنكم عرفتم من هو هذا “البرلماني المفترض”؟