نظريتان عميقتان، قعرهما كقعر أعماق المحيطات. لا تلتقيان ولا تجتمعان، ومنذ دهور، هما نقيضتان تتضاربان في صميم الوجدان.
الأولى، أي الأكوينية، أخلاقية مؤمنة، أما الثانية، أي المكيافيلية، فوصولية مدمّرة، غير مبالية، تدوس على جثث البشرية لهدف واحد: الوصول إلى السلطة.
الأولى تسعى إلى إقامة سلطة عادلة لخدمة غاية أخلاقية، أما الثانية فتسعى إلى المحافظة على السلطة بشتى الوسائل المتاحة.
الأولى لا تؤمن أبدًا باستخدام القوة للوصول إلى السلطة، حتى ولو كان الهدف تحقيق غاية عادلة، أما الثانية فتشرّع السحق من أجل البقاء على كرسي العرش.
في كتاب القديس توما الأكويني De Regno، يقول:
«كلما ابتعد الحكم عن الخير العام، ازداد ظلمًا».
أما نيكولا مكيافيلي، فيناقض فكر القديس تمامًا في كتابه «الأمير»، من خلال المقولة الشهيرة المنسوبة إليه: «الغاية تبرّر الوسيلة».
لكن يبقى السؤال الأبرز فلسفيًا هنا: إذا نجح الحاكم في حماية الدولة، لكنه ظلم بعض مواطنيه لتحقيق ذلك، فهل يكون حاكمًا ناجحًا أم حاكمًا عادلًا؟ عند الأكويني، النجاح السياسي وحده لا يكفي لتبرير الظلم.
هذه هي حال الصراع السياسي بين الأحزاب اللبنانية.
بعض المنظّرين يلومون الاحزاب السيادية وعلى رأسها "القوات اللبنانية" بأنها تعيش في المدينة الفاضلة التي لن تتحقق يومًا، والبعض الآخر يعاتبها لعدم دخولها في الخزعبلات السياسية، كما يفعل الآخرون، مطالبين إياها وزعيمها بتطبيق أسرار «الأمير» ومكره في الوصولية.
لكن يبقى السؤال الأبرز والأعمق: هل تُبنى الأوطان بالغاية أم بالمبادئ الأخلاقية والقيم والمفاهيم والدستور والقوانين؟
كيف لنا أن نقبل، حفاظًا على شرفنا، بأن ندوس على شرف المواطن وكرامته لنحقق غايةً في نفس يعقوب؟
نعم، يا سادة، لقد فعلوها، ولا زالوا يركضون في أزقّة المصالح الضيقة، غير آبهين باستمرار الوطن.
وحدها المبادئ التي رسمها المسيح وأكملها الأكويني هي الطريق إلى معرفة الحقيقة وإلى استمرار الحياة، سواء أكانت سياسية أم دينية أم أخلاقية.
أما الطرق التي ينصح بها «الأمير»، فليست إلا قمةً شاهقةً قاتلة؛ ما إن تصل إليها حتى تقذفك إلى قعر مزبلة التاريخ.
رئيس بلدية بزيزا الكورة