سقط نظام الأسد، واهتزّ معه المحور الإيراني من طهران وصولا إلى بيروت، وتبدّلت معادلات سياسية وأمنية عمرها عقود. لكن في لبنان، يبدو أنّ السنّة ما زالوا عالقين في إرث مرحلة لم تسقط كلّ مفاعيلها بعد.
هكذا يختصر مصدر سنّي مطّلع ما حصل في ملف قانون العفو العام، وتحديدًا بعد قرار المجلس الدستوري بالإبطال الجزئي، الذي أدّى، وفق المعنيين بالملف، إلى إبقاء معظم الموقوفين الإسلاميين في السجون، في وقت سيستفيد فيه عشرات الآلاف من أصحاب الملفات الأخرى، ولا سيّما ملفات المخدرات، وبينهم أسماء معروفة للرأي العام وأخرى أقلّ شهرة، لكنها لا تقلّ خطورة.
القضية لم تعد قانونية فقط. في الشارع السنّي شعور متزايد بأنّ شيئًا لم يتغيّر، رغم كلّ ما تغيّر حول لبنان. وبحسب معلومات متداولة في الأوساط المعنية، اجتمع رئيس المجلس الدستوري القاضي طنوس مشلب، قبل يومين من صدور القرار، برئيس مجلس النواب نبيه بري. وتقول مصادر مطّلعة إنّ بري كان على علم بالصيغة التي سيصدر بها القرار، وهي صيغة أثارت اعتراضات باعتبار أنّها تذهب بعيدًا في تفسير النص التشريعي. وفي المقابل، يبقى المجلس الدستوري صاحب الصلاحية في الرقابة على دستورية القوانين، ما يجعل النقاش اليوم سياسيًا وقانونيًا في آنٍ.
لكن خلف النصوص والاجتهادات، هناك شارع يغلي. فالسنّة يشعرون بأنّ قياداتهم لم تستثمر بعد التحوّلات الكبرى في المنطقة، وخصوصًا في سوريا. فسقوط النظام السابق وقيام سلطة جديدة في دمشق يحملان بالنسبة إلى شريحة واسعة منهم دلالة تتجاوز الحدود السورية، بعدما دفع كثيرون في لبنان أثمانًا سياسية وأمنية نتيجة وقوفهم إلى جانب الثورة السورية ورفضهم سياسات النظام السابق.
ومن هنا، يعود ملف الموقوفين الإسلاميين إلى الواجهة بقوّة. محامي الشيخ أحمد الأسير، محمد صبلوح، اجتمع برئيس الحكومة نواف سلام بعد ظهر الجمعة، بعد الاعتصام الذي نظّمه مناصرو الأسير أمام السراي الحكومية. وبحسب المعطيات المتداولة، وعد سلام بمتابعة الملف، خصوصًا أنّ اعتماد مفاعيل الإبطال الجزئي الصادر عن المجلس الدستوري يعني، وفق حسابات فريق الدفاع، بقاء الأسير في السجن نحو 13 سنة إضافية، فيما كان تطبيق قانون العفو بصيغته قبل قرار المجلس سيتيح خروجه بعد نحو سنة وثلاثة أشهر.
التحرّك لن يتوقّف هنا. فالنواب السنّة يجتمعون الاثنين عند الواحدة ظهرًا في مجلس النواب، قبل لقاء المدّعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج بعد الظهر، على أن يتبع ذلك اجتماع موسّع في السراي مع الرئيس سلام.
وتعلّق أوساط سنّية آمالا على دور المدّعي العام التمييزي، معتبرة أنّ أداءه حتى الآن يختلف عن مراحل سابقة، وأنّه قادر، ضمن صلاحياته والقانون، على معالجة ما تعتبره هذه الأوساط مظلومية تراكمت طوال سنوات.
المشكلة إذًا أكبر من قانون عفو. إنّها مواجهة مع ذاكرة مرحلة كاملة، طُبع خلالها جزء من الشارع السنّي بصورة الإرهاب والتطرّف، فيما أظهرت ملفات وقضايا لاحقة أنّ بعض الوقائع والتهم كانت أكثر تعقيدًا ممّا قُدّم للرأي العام.
سقط نظام الأسد، وتغيّرت سوريا، وتبدّلت المنطقة. أمّا في لبنان، فالسؤال الذي يطرحه الشارع السنّي اليوم بسيط: إذا كانت المرحلة قد انتهت، فهل تنتهي معها ملفاتها وممارساتها؟
فالسنّة كانوا، على مدى عقود، جزءًا أساسيًا من مشروع الدولة، ودفعوا أثمان خياراتها وقراراتها. والمطلوب اليوم ليس امتيازًا لطائفة ولا عدالة انتقائية، بل معيار واحد: دولة تحاسب المذنب، وتنصف المظلوم، ولا تحمّل مواطنيها إرث مرحلة سقطت ولم يعد ممكنًا الاستمرار في إدارتهم بعقليتها.