مصر تسند السعودية... قواعد اللعبة في المنطقة تتغيّر

5 دقائق للقراءة

بقراره تقديم "كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة العربية السعودية الشقيقة للدفاع عن أمنها واستقرارها، وصون مقدّراتها وسلامة أراضيها والمقدّسات الإسلامية"، يضع مجلس الدفاع الوطني المصري ثقل القاهرة إلى جانب الرياض في لحظة خرقت فيها الهجمات الحوثية الخطوط الحمر. فالاستهداف المتكرّر للمطارات والمنشآت النفطية، بالتزامن مع تهديد الملاحة، يطاول ركائز الاستقرار الإقليمي. ويستحضر هذا الموقف المفصلي تعهّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عام 2016 بأن يكون الجيش المصري على "مسافة السكة" للدفاع عن أشقائه في الخليج إذا تعرّضوا لتهديد مباشر، مؤكّدًا أنه "جيش كلّ العرب". ويحمل القرار، الصادر أمس، رسالة حازمة إلى الحوثيين ورعاتهم في طهران مفادها أنّ أمن السعودية من أمن مصر، وتهديد شرايين التجارة يمسّ مصالحهما معًا. وكلّما وسّعت طهران والحوثيون دائرة الاعتداء، ازدادت دوافع مصر للتحرّك عسكريًّا دعمًا للمملكة.

تنبع أهمّية الموقف من إضفاء طابع مؤسّسي على الاستعداد المصري للتحرّك في هذه الجولة من التصعيد. فطلب السيسي تفويضًا برلمانيًّا يفتح أمام التعهّد السياسي مسارًا للتنفيذ، فيما أُرجئ التصويت إلى اليوم لاستكمال المناقشات. ويبقى تقديم الدعم العسكري مرتبطًا بطلب سعودي، وتظلّ طبيعته وحدوده رهن ما يُتّفق عليه بين البلدين. وتمنح هذه المسافة بين إعلان الاستعداد وتحديد التنفيذ القاهرة مرونة في اختيار أدواتها، وتدفع خصومها إلى احتساب احتمال المشاركة المصرية. أمّا الأثر الردعي لهذا التعهّد، فيتوقّف على حجم الإسناد وسرعته وقدرته على الحدّ من التهديد.

تستحضر الخطوة تجربة شمال اليمن في ستينات القرن الماضي، حين ساندت مصر، بقيادة جمال عبد الناصر، الجمهوريين، فيما دعمت السعودية الملكيين. يومها، تحوّل اليمن إلى ساحة تنافس بين العاصمتين، واستنزف التدخّل العسكري الجيش المصري وموارد القاهرة، قبل اكتمال الانسحاب بنهاية عام 1967. أمّا اليوم، فتلتقي مصالح القاهرة والرياض في مواجهة تهديد يطاول أمن المملكة وممرّات التجارة المتّصلة بالاقتصاد المصري. وتكشف المقارنة حجم التحوّل بين مرحلتين؛ إنّه بكلّ بساطة انتقال من التنافس على ترتيب المجال العربي إلى التعاون لحماية دوله ومصالحه في وجه عدوانية طهران وأذرعها.

وتمنح تلك التجربة السؤال عن حدود الالتزام المصري أهمّية خاصّة. فوضوح الغاية شرط لفاعلية القوّة، والدفاع عن الأراضي السعودية وتأمين الملاحة يتيحان تحديد مهام يمكن ضبط نطاقها، فيما ينطوي الانخراط البرّي المفتوح داخل اليمن على مخاطر استنزاف واسعة. ويمكن أن تتحدّد قيمة أيّ مشاركة مصرية بحسن توظيف القدرات الاستخباراتية والبحرية والدفاعية، وربط أيّ توسّع بمهمّة واضحة وحدود معلومة. وقد يُسهم هذا الإسناد في تخفيف الضغط على المملكة وتوسيع قدرتها على دعم الحكومة اليمنية، مع بقاء الحسم محكومًا بتعقيدات الميدان وتوازناته.

ويكتسب الاستعداد المصري للتحرّك دلالة إضافية في ظلّ بقاء القاهرة خارج "حلف مكة الدفاعي"، الذي يجمع السعودية وباكستان وتركيا، مع دراستها إمكان الانضمام إليه. فالعلاقات الثنائية تُتيح لها بناء التزام دفاعي تجاه المملكة، والاحتفاظ في الوقت نفسه بقرارها بشأن المشاركة في ترتيبات أوسع. وبذلك، قد تتشكّل حول أمن السعودية دوائر إسناد متقاطعة تتجاوز إطار العضوية في اتفاق واحد.

ويعزّز هذا التوجّه البُعد العربي في حماية أمن المنطقة. فكلّما اتّسع دور الدول العربية في التصدّي للأخطار التي تهدّدها، ضاق هامش تصوير طهران للصراع بوصفه مواجهة مع قوى خارجية. وتُبرز الشراكة المصرية - السعودية ما تفرضه الهجمات الحوثية من كلفة على دول عربية ومصالح شعوبها، كما تعزّز قدرة الرياض على مواجهة الضغط العسكري من موقع إقليمي أكثر تماسكًا، وتمنح مساعي التسوية سندًا صلبًا. وتزداد فاعلية هذا الدور بقدرته على مخاطبة اليمنيين ومصالحهم. وكلّ تقدّم في هذا الاتجاه يُعمّق الفصل بين مصالح اليمن ومشروع جماعة "أنصار الله"، ويضيّق مساحة توظيف طهران للمأساة اليمنية.

وتستند حسابات القاهرة أيضًا إلى خسائر اقتصادية ملموسة. فقد هبطت إيرادات قناة السويس من 10.250 مليارات دولار عام 2023 إلى 3.991 مليارات عام 2024، بفارق يقارب 6.259 مليارات دولار، وبنسبة انخفاض بلغت نحو 61 في المئة. وتقدّم هذه الأرقام مقياسًا لحجم الضرر الذي تلحقه اضطرابات البحر الأحمر بالاقتصاد المصري. فأمن مضيق باب المندب يتّصل مباشرة بحركة التجارة وتدفّق العملات الأجنبية، ويغدو تأمين الملاحة حمايةً لمورد وطني أساسي.

ومن باب المندب إلى مضيق هرمز، تتّضح مكانة الممرّات البحرية في أدوات الضغط الإقليمي. فقد أكّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استمرار طرح مقترح فتح هرمز وفق شروط طهران، فيما تتمسّك واشنطن بتناول الملف النووي منذ بداية المفاوضات. ويتمحور الخلاف حول ترتيب الالتزامات: تريد إيران البدء بملف الملاحة وشروط استئنافها، وتسعى الولايات المتحدة إلى معالجة البرنامج النووي منذ البداية. وفي هذه المقاربة، توظّف طهران قدرتها على تعطيل الممرّ المائي لانتزاع تنازلات تسبق البحث في الملف النووي، الأمر الذي لم ينجح معها.

وتضيف تصريحات وزير الدفاع الإيراني الجديد، مهرداد أخلاقي كتابجي، مزيدًا من الخطورة إلى هذا الانسداد. فقد توعّد بإلحاق أضرار جسيمة بالأميركيين وفي المنطقة إذا تعرّضت إيران لهجوم، واضعًا أمن الجوار في صلب التهديد بالردّ. ومن شأن هذا المنطق أن يمنح الدول المعنيّة حافزًا إضافيًا لتنسيق مواقفها وقدراتها الدفاعية. هنا تتّضح الدلالة الأبعد للاستعداد المصري: كلّما اتّسع استخدام الممرّات البحرية والمنشآت المدنية أوراقَ ضغط، ازدادت الحاجة إلى موقف عربي يرفع كلفة الاعتداء ويحدّ من جدوى الابتزاز.