يُعدّ عام 1950 نقطة تحوّل في تاريخ رياضة السيارات ففيه بدأت أول بطولة عالمية رسمية تجمع نخبة السائقين والفرق في منافسة واحدة ورغم أن الفورمولا 1 في ذلك الوقت كانت مختلفة كثيرًا عن شكلها الحالي من حيث القوانين والسيارات ومستويات الأمان فإن تلك الحقبة أرست الأساس للبطولة التي أصبحت لاحقًا واحدة من أشهر وأهم المنافسات الرياضية في العالم.
في هذا النص سنعود إلى تلك البدايات لنتعرف على شكل المنافسة في موسم 1950 وأبرز القوانين والفرق والسائقين إضافة إلى أهم السباقات واللحظات التي صنعت تاريخ الموسم وصولًا إلى اللحظة التي تُوّج فيها أول بطل للعالم في الفورمولا 1.
قوانين الموسم الأول
قبل انطلاق البطولة وضعت الـFIA القواعد الأساسية للسيارات المشاركة وبالنسبة إلى المحركات كان مسموحًا باستخدام محرك بسعة 1.5 لتر مع شاحن فائق أو محرك بسعة 4.5 لتر من دون شاحن فائق أي بالتنفس الطبيعي أما تصميم المحرك وعدد أسطواناته ووزن السيارة وبقية التفاصيل الفنية، فكانت تخضع لقيود محدودة مقارنة بالفورمولا 1 الحديثة.
وكانت معايير السلامة بدائية جدًا لم تكن هناك أحزمة أمان وكانت الخوذات وملابس السباق تفتقر إلى معايير الحماية المتقدمة الموجودة اليوم. أما نظام النقاط فكان يمنح صاحب المركز الأول 8 نقاط والثاني 6 والثالث 4 والرابع 3 والخامس نقطتين مع نقطة إضافية لصاحب أسرع لفة كما كان مسموحًا أحيانًا لأكثر من سائق بقيادة السيارة نفسها خلال السباق وتقاسم النقاط التي تحققها السيارة وفقًا للقواعد المعتمدة في ذلك الوقت. ومن أهم قوانين الموسم أن السائق كان يحتسب أفضل أربع نتائج فقط من أصل سباقات الموسم وهو قانون أثّر لاحقًا في ترتيب البطولة.
الفرق والسائقون
شارك في موسم 1950 نحو 26 فريقًا وما يقارب 80 سائقًا وكان من أبرز المصنعين ألفا روميو ومازيراتي وفيراري وتالبوت لاغو. وكان فريق ألفا روميو الأقوى وضم ثلاثة من أبرز السائقين في تلك الفترة: خوان مانويل فانجيو ونينو فارينا ولويجي فاجولي. كان فانجيو يبلغ 39 عامًا وفارينا 42 عامًا وفاجولي 51 عامًا أما أكبر المشاركين فكان الفرنسي فيليب إيتانسلان الذي بلغ 53 عامًا. وشارك أيضًا الأمير التايلاندي بيرا أحد أفراد العائلة المالكة في تايلاند وكان سائقًا محترفًا شارك في الفورمولا 1 لعدة سنوات. أما فيراري فكان ألبرتو أسكاري أبرز سائقيها.
جائزة بريطانيا الكبرى
أقيم أول سباق في تاريخ بطولة العالم للفورمولا 1 على حلبة سيلفرستون التي كانت في الأصل قاعدة جوية عسكرية خلال الحرب العالمية الثانية. ولم تشارك فيراري في هذا السباق بسبب خلاف إنزو فيراري مع قيمة الجوائز المالية. حضر السباق نحو 200 ألف متفرج وامتد إلى 70 لفة بمتوسط سرعة بلغ نحو 146 كيلومترًا في الساعة. تصدر فانجيو السباق لفترة طويلة لكنه واجه مشكلة في تسرب الزيت واضطر إلى الانسحاب وفي النهاية حقق نينو فارينا الفوز وجاء لويجي فاجولي ثانيًا وريغ بارنل ثالثًا.
جائزة موناكو الكبرى
شهد سباق موناكو المشاركة الأولى لفيراري في بطولة العالم حيث تأهلت سيارتا الفريق في المركزين السادس والسابع وانطلق فانجيو من المركز الأول لكن السباق شهد حادثًا جماعيًا بسبب وصول موجة بحرية إلى الحلبة ما تسبب في فقدان عدد من السيارات تماسكها ووقوع اصطدامات متتالية. تمكن فانجيو من ملاحظة الحادث قبل الوصول إليه فخفّض سرعته وتجاوز السيارات المتضررة ليحقق الفوز في النهاية. وكان هذا السباق من أبرز الأمثلة المبكرة على قدرة فانجيو على قراءة ظروف الحلبة والتعامل مع المخاطر.
إنديانابوليس 500
كان إنديانابوليس 500 مدرجًا ضمن بطولة العالم لكنه كان مختلفًا عن بقية السباقات إذ شارك فيه السائقون الأمريكيون بشكل أساسي بينما غاب معظم السائقين والفرق الأوروبية. حقق جوني بارسونز الفوز وأنهى الموسم في المركز السادس رغم مشاركته في هذا السباق فقط ضمن جولات البطولة.
جائزة سويسرا الكبرى
أقيم سباق سويسرا على حلبة بريمنغارتن التي بلغ طولها نحو 7.2 كيلومتر. انطلق فانجيو أولًا وفارينا ثانيًا وفاجولي ثالثًا بينما انسحبت سيارتا فيراري مبكرًا حافظ فانجيو على الصدارة حتى المراحل الأخيرة لكنه تعرض لعطل في المحرك قبل نهاية السباق ليحقق فارينا الفوز ويأتي فاجولي ثانيًا وروزييه ثالثًا وبلغ مجموع أعمار السائقين الثلاثة على منصة التتويج 138 عامًا، بمتوسط 46 عامًا وهو رقم استثنائي في تاريخ الفورمولا 1.
بلجيكا وفرنسا
أقيم سباق بلجيكا على حلبة سبا-فرانكورشان القديمة التي كان طولها نحو 14 كيلومترًا وشارك 14 سائقًا فقط بسبب صعوبة المشاركة في جميع السباقات مع تقارب مواعيدها. حقق فانجيو الفوز وجاء فاجولي ثانيًا وروزييه ثالثًا بينما تراجع فارينا إلى المركز الرابع بسبب مشكلة ميكانيكية أما سباق فرنسا فأقيم على حلبة ريمس-غو وكان طوله الإجمالي أكثر من 500 كيلومتر. بدأ السباق بعدد كبير من السائقين لكن ثمانية فقط تمكنوا من الوصول إلى النهاية. ومن أبرز النتائج كان وصول بيتر وايتهيد إلى المركز الثالث بعدما بدأ السباق من المركز التاسع عشر.
جائزة إيطاليا الكبرى وحسم البطولة
أقيم السباق الأخير على حلبة مونزا وكان مكونًا من 80 لفة بمسافة إجمالية تقارب 504 كيلومترات. دخل فانجيو وفارينا وفاجولي السباق وهم يتنافسون على اللقب لكن حظ فانجيو لم يكن إلى جانبه بعد 23 لفة تعرضت سيارته لعطل فانتقل إلى سيارة زميله بييرو تاروفّي لمواصلة السباق لكن السيارة تعطلت أيضًا واضطر فانجيو إلى الانسحاب. في المقابل حقق نينو فارينا الفوز بالسباق وأصبح بذلك أول بطل للعالم في تاريخ الفورمولا 1. أما نظام احتساب أفضل أربع نتائج فقد حرم فاجولي من المركز الثاني في الترتيب النهائي. فقد جمع فعليًا 28 نقطة لكن احتُسبت له 24 نقطة فقط بسبب عدم احتساب إحدى نتائجه.
نهاية الموسم
كان موسم 1950 البداية الرسمية لبطولة العالم للفورمولا 1 وقد شهد منافسات قوية رغم محدودية وسائل السلامة واختلاف القوانين بشكل كبير عن العصر الحديث ورغم المخاطر الكبيرة التي كانت تحيط بالسباقات لم يشهد الموسم الرسمي أي حالة وفاة بين السائقين. لكن موسم 1950 لم يكن يضم جميع سباقات السيارات التي أقيمت في ذلك العام فقد أقيمت نحو 25 سباقًا إضافيًا غير رسمي معظمها في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ودول أخرى.
ولو تم احتساب هذه السباقات ضمن بطولة العالم لكان خوان مانويل فانجيو من أبرز المستفيدين إذ حقق عدة انتصارات إضافية خارج جولات البطولة الرسمية.
ومع ذلك بقي نينو فارينا الاسم الذي دخل التاريخ باعتباره أول بطل للعالم في الفورمولا 1. وبذلك انتهى الموسم الأول وبدأت واحدة من أهم البطولات في تاريخ رياضة السيارات.