يوسف يونس

من يحكم لبنان ماليًا: رئيس الحكومة أم وزير المال؟

5 دقائق للقراءة

"حين تتحوّل إدارة الخزينة إلى سلطة تتحكّم بقرارات الحكومة على حساب الكهرباء والاقتصاد والمواطن"


في ظل الأزمات المتلاحقة التي يواجهها لبنان، يبرز سؤال يتجاوز الخلاف بين الوزارات ليطال جوهر السلطة التنفيذية: من يحدّد فعليًا أولويات الحكومة وقراراتها؟ رئيس مجلس الوزراء أم وزير المال الذي يبدو أن مواقفه باتت تتحكّم بهامش حركة الحكومة، حتى في الملفات التي تهدّد الاقتصاد ومعيشة اللبنانيين؟

أزمة الكهرباء اليوم تكشف خللاً في إدارة الأولويات. فبينما ترتفع أسعار الطاقة عالمياً وتتزايد كلفة الإنتاج، تستمر السياسة المالية في التعامل مع القطاع بمنطق محاسبي جامد، بعيدًا عن المتغيرات الاقتصادية، مع رفض التعرفة الكهربائية المتحركة التي تسمح بمواكبة الأسعار العالمية وضمان استمرارية التغذية.

والنتيجة أن المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة عبر فاتورة الكهرباء، ومرة عبر كلفة المولدات الخاصة وتراجع الخدمات وارتفاع أسعار السلع والإنتاج.


الدولة لا تدفع فواتيرها وتطالب المواطن بالدفع!

المفارقة الأكثر خطورة تكمن في امتناع القطاع العام عن تسديد مستحقاته لمؤسسة كهرباء لبنان، أو المماطلة في إيجاد التمويل اللازم لها، فيما تطالب الدولة المواطنين بالالتزام الكامل بتسديد فواتيرهم.

فكيف تحارب الحكومة التعديات على الشبكة والتهرّب من الدفع، بينما تحرم المؤسسة من إيرادات مستحقة على إداراتها ومؤسساتها؟

إن عدم تسديد فواتير القطاع العام يُحدث مالياً النتيجة نفسها التي يُحدثها استهلاك الكهرباء من دون دفع: استنزاف موارد المؤسسة وتعريض قدرتها على شراء الفيول وتأمين التغذية للخطر.

وتضاف إلى ذلك إعفاءات الجنوب التي تستوجب معالجة وطنية عادلة، عبر تمويل واضح من الخزينة، بدلاً من تحميل مؤسسة الكهرباء أعباء قرارات حكومية من دون تغطية مالية.


مليارات في الخزينة… والكهرباء مهددة!

تزداد المفارقة حدة أمام المعطيات المطروحة حول وجود نحو 900 مليون دولار نقداً في حساب الخزينة، وما يعادل 2.5 مليار دولار بالليرة اللبنانية، إضافة إلى ودائع للقطاع العام تفوق 700 مليار ليرة، لا تزال مجمّدة بانتظار معالجة الفجوة المالية والمصرفية، لكنها لم تتبخر.

صحيح أن إدارة هذه الأموال تخضع لضوابط قانونية ومالية، وأن الودائع المجمدة ليست سيولة جاهزة للإنفاق، لكن ذلك لا يبرّر غياب حلول عملية لتمويل التزامات الدولة تجاه الكهرباء.

فهل المحافظة على أرصدة الخزينة أهم من المحافظة على استمرارية الاقتصاد؟ وما جدوى تراكم السيولة إذا كانت البلاد مهددة بمزيد من انقطاع الكهرباء وتعطّل الإنتاج وارتفاع كلفة المعيشة؟

إن مسؤولية وزير المال ليست حماية الأرقام في الحسابات فحسب، بل المساهمة في تأمين التوازن بين الاستقرار المالي وحاجات الاقتصاد الأساسية.


وزير الطاقة يعتكف ووزير المال إلى تايلاند

وسط هذه الأزمة، اعتكف وزير الطاقة عن حضور جلسات مجلس الوزراء، في خطوة هدفت إلى دق ناقوس الخطر حيال التهديد الذي يواجه قطاع الكهرباء.

وفي المقابل، توجّه وزير المال إلى تايلاند للمشاركة في لقاءات صندوق النقد الدولي، تاركاً وراءه أزمة تستوجب معالجة عاجلة.

لا أحد ينكر أهمية التواصل مع صندوق النقد، لكن هل يستطيع الاقتصاد اللبناني انتظار نتائج الاجتماعات الدولية فيما تتفاقم أزمة الكهرباء؟ وأين دور الحكومة في اتخاذ قرارات فورية تحول دون الوصول إلى مرحلة خطيرة؟


العرض القطري ليس بديلاً عن الحل الفوري

وجاء العرض القطري المتعلق بالكهرباء ليشكّل فرصة مهمة لمعالجة مشكلات القطاع على المديين المتوسط والبعيد، بعد جهود إصلاحية واتصالات متعددة.

لكن المسارعة الحكومية إلى إبراز هذا العرض تثير التساؤل عما إذا كان يُستخدم لصرف الأنظار عن الأزمة الآنية التي تتطلب قرارات فورية، وفي مقدمتها تسديد مستحقات القطاع العام.

فالاستثمار المستقبلي لا يشتري الفيول اليوم، والوعود بتحسين الإنتاج لاحقاً لا تعوّض نقص الإيرادات حالياً.

الإصلاح يبدأ بأن تدفع الدولة ما عليها، قبل مطالبة المواطنين بالوفاء بما عليهم.


من صاحب القرار الفعلي؟

هنا تكمن المشكلة الأساسية. وزير المال مسؤول عن إدارة المالية العامة، لكنه ليس سلطة تعلو على مجلس الوزراء، ولا يفترض أن يتحوّل التحكم بالسيولة إلى حق منفرد في تقرير مصير الخدمات العامة.

فإذا كان وزير المال يعترض على التمويل، أين رئيس الحكومة؟ ولماذا لا تُطرح البدائل ويُتخذ القرار داخل مجلس الوزراء؟

إن مسؤولية رئيس الحكومة لا تنتهي عند إدارة الجلسات، بل تشمل توجيه السياسات وحسم الخلافات وتحمل نتائج القرارات.

ليس المطلوب إنفاقاً عشوائياً أو تبديداً للاحتياطات، بل سياسة مالية مرنة ومسؤولة، تضمن تسديد مستحقات الكهرباء وتمويل إعفاءات الجنوب ومواكبة أسعار الطاقة.

ويبقى السؤال: هل وزير المال هو رئيس الحكومة الفعلي، أم أن رئيس الحكومة يمنحه عملياً سلطة تحديد أولويات الدولة ثم يتحمّل تبعات قراراته؟

فلبنان لا يحتمل حكومة تحتفظ بالأموال وتترك الخدمات تتدهور، ولا مواطناً يُطلب منه دفع كل الفواتير، فيما الدولة لا تسدّد فواتيرها.

والأخطر من أزمة الكهرباء أن تصبح السياسة المالية نفسها عائقاً أمام إنقاذ الاقتصاد ويكرر وزير المال تجربته من ركزوا على متطلبات صندوق النقد في 2019 وتجاهلوا صرخات الناس في لبنان، وحصل ما حصل.