فتات عيّاد

لماذا يتمايز اللبنانيون في حُبّ "أُمّهم الحنون" فرنسا؟

8 دقائق للقراءة

"من أكثر جنسية زعلانة على الأحداث والاحتجاجات في فرنسا"؟، سؤال ساخر عبر منصة "إكس"، اختصر سجالا اشتعل بين لبنانيين ومستخدمين من جنسيات عربية وإفريقية: لبنانيون يدينون التخريب والسرقة في شوارع فرنسا خلال احتجاجات باريس، وآخرون يتهمونهم بالمزايدة على الفرنسيين أنفسهم في حبّ "أمّهم الحنون".

لكن السجال تجاوز إدانة العنف إلى المقارنة بين "نوعية" المهاجرين. فبعض اللبنانيين وجدوا في مشاهد الشغب فرصة لإبراز تمايزهم عن مهاجرين آخرين، مستنكرين رفض طلبات تأشيراتهم: كيف تُغلق الأبواب أمامنا، نحن الذين نحبّ فرنسا ولا نخرّب شوارعها؟

"الحبّ" وحده لا يفتح أبواب السفارات، فيما تلقي الحرب وتداعياتها على الاستقرار اللبناني بثقلها على ملفات التأشيرات. ففي حديث لـ"نداء الوطن"، يكشف صاحب مكتب لطلبات التأشيرات تراجعًا في قبول الملفات اللبنانية بعد الحرب الإسرائيلية عام 2024، بل وعن حالات لم تعتبر فيها سفارات أوروبية أملاكًا في الجنوب ضمانة كافية للعودة.

فلماذا يتمايز بعض اللبنانيين في حبّ فرنسا عن جنسيات مهاجرة أخرى؟ وما علاقة الحرب برفض طلبات تأشيراتهم، بعيدًا عن مشاعرهم تجاه "الأم الحنون"؟


طلاب لبنان في فرنسا: خارج الاحتجاجات!

لكن مواقف اللبنانيين لم تقتصر على السوشال ميديا. ومن أبرز المواقف على صعيد اللبنانيين في فرنسا، كانت دعوة رئيس لجنة الطلاب اللبنانيين في فرنسا عمر الخولي إلى "عدم المشاركة في الاحتجاجات والحفاظ على احترام القوانين والأنظمة الفرنسية"، معبّرًا عن أن "الحق في التظاهر والتعبير عن المطالب الاجتماعية والنقابية لا يبرر اللجوء إلى العنف أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة".

ويكتسب هذا الموقف أهمية من أن أصل الاحتجاجات الفرنسية بدأ باحتجاجات طلابية على النظام التعليمي الفرنسي، أي أن اللبنانيين كطلاب لم يشاركوا في الاحتجاجات منذ اندلاعها، أقلّه على المستوى التنظيمي والتصريحات الرسمية.


السوشال ميديا: اللبناني "مولّعها"!

المواقف اللبنانية لم تقتصر على المعنيين مباشرة بالعيش في فرنسا من أصول لبنانية. إذ تشتعل السوشال ميديا منذ أيام بين لبنانيين وجزائريين ومغاربة وجنسيات أخرى، حول أسباب إظهار لبنانيين موقفهم الحاد الرافض للعنف في الاحتجاجات.

اللبنانية سارة كنج قالت في فيديو: "قديه بدو يكون الواحد بيكره فرنسا.. قديه هو مؤذي ليقدر يعمل اللي عملوه مبارح"؟ الفيديو تخطّى الـ200 ألف مشاهدة، وحصد تعليقات شاتمة، ما دفعها لنشر فيديو آخر، قالت فيه: "مستحيل تحب فرنسا إذا بتكسر وبتحرق وبتسرق هيدا أذى وانتقام".

اللبنانية ستيفاني قرداحي شاركت فيديو يعبّر عن عنف الاحتجاجات في باريس، غامزة من قناة غياب اللبنانيين عن التظاهرات، وسألت كيف تُرفض تأشيرات اللبنانيين إلى فرنسا، بمعنى أنهم هم الذين لا يقومون بأعمال شغب في فرنسا وتُرفض طلبات تأشيراتهم.

أما نانسي الحاج، فكتبت: "نحنا بلبنان وقت التظاهرات مذوقين أكتر من الشعب الفرنسي ما منسرق متل ما عم بصير بفرنسا، بس الشغلة الحلوة إنه كلن نازلين على الشارع ضد الوضع المعيشي والغلا عندن، نفس الشي متل عنا". هكذا انتقد اللبناني نفسه أيضًا بالسكوت عن الأوضاع المعيشية الصعبة اليوم.

تعليق لإحدى المغرّدات من جنسية عربية، قالت فيه: "اللبنانيون عبيد فرنسا... بيشتموا المهاجرين وانهم همج وسبب العنف". هكذا تعليقات جوبهت بردود لبنانية جاء فيها: "اللي بلا أصل مزعوج من اللبناني اللي عم بيدافع عن الحضارة، بأي بلد كان". تعليق آخر جاء فيه: "عمرك ما تعض الإيد لي تمتد لك كيف اذ كانت فرنسا لي فضلها عل بلدي وطني الحبيب لبنان".

فما هي الأبعاد الاجتماعية لتمايز جزء كبير من اللبنانيين في حبّهم لفرنسا، بمعنى التأييد الدائم للنظام بالحد الأقصى، أو رفض احتجاجات يتخلّلها تكسير وشغب بالحد الأدنى؟


لبنان وفرنسا: علاقات تاريخية

الدكتور بول طبر، في تفسيره للتمايز اللبناني عن بقية الجنسيات المهاجرة تجاه الاحتجاجات الفرنسية اليوم، يوضح أن "العلاقة التاريخية بين نشوء فكرة لبنان والكيان الفرنسي، انعكست نوعًا من التعاطف غير المشروط لمن هم امتداد لهذا النظام، سيّما البيئة المارونية السياسية".

وعلى صعيد التمايز عن المحتجين، مردّه برأيه إلى بُعدين اثنين. أوّلا، البعد التاريخي للتعاطف غير المشروط. وثانيًا، نوعية الهجرة اللبنانية إلى فرنسا، مقارنة بنوعية الهجرة اللبنانية مثلا إلى أستراليا، وهي من خلفيات اجتماعية واقتصادية أكثر تواضعًا.

فغالبية اللبنانيين في فرنسا هم طلاب ومن الطبقة الوسطى، ما يوفّر لهم الشرط الاجتماعي الاقتصادي ليكونوا إلى جانب النظام في فرنسا لا إلى جانب معارضيه.

ويشدّد طبر في المقابل على أن الفعل غير القانوني للتكسير والسرقة والحرق ليس معزولا عن الشروط الحياتية التي يعيشها المحتجون والمشاغبون، فكلام الشارع الأوروبي يتمحور حول غلاء المعيشة الفاحش وصرف الحكومات الأوروبية ملايين الدولارات لدعم أوكرانيا في حربها مع روسيا، مقابل تخفيض التقديمات الاجتماعية.

وبالتالي، هناك غضب شعبي متراكم على أساس بنيوي، فيما تعاطف "البيئة اليمينية اللبنانية بالمعنى السياسي مع النظام الفرنسي"، برأيه، لا يلغي المطالب المحقّة والوعي الاجتماعي التاريخي الذي تمثّل بتضامن محامين مع الحركة الطلابية قبل اتساع رقعة الاحتجاجات.


حرب لبنان 2024: اللااستقرار اللبناني!

س.أ، صاحب مكتب لطلبات التأشيرات في صيدا، يلفت في حديث لـ "نداء الوطن" إلى أن التأشيرة أو فيزا فرنسا لا تُعدّ من أصعب التأشيرات إلى أوروبا إطلاقًا، بل من أسهلها مقارنة بدول أوروبية أخرى مثل السويد والدنمارك.

أما صعوبة قبول منح التأشيرة الفرنسية للبنانيين، فيوضح أنها بدأت بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024، نتيجة عامل اللااستقرار اللبناني بسبب الحرب. كما أن التشدّد الفرنسي في الآونة الأخيرة ينبع من الخوف من أن تكون فرنسا معبرًا لآخذي التأشيرة نحو الاتحاد الأوروبي وطلبات اللجوء.


تراجع قبول التأشيرات من 70 إلى 50%

ويتحدّث صاحب المكتب عن تراجع نسبة قبول ملفات تأشيرات اللبنانيين إلى فرنسا من قرابة 70 إلى 50% خلال العامين الأخيرين.

وفي عرض لسهولة أخذ تأشيرة فرنسا قبل الحرب وبعدها، يوضح أنه "في السابق، من كان متمكّنًا ماديًا، كان ملفه يُقبل بسهولة أكبر وتُقبل تأشيرته بنسبة تصل إلى 70 و80%. أما اليوم فتراجع احتمال قبول الملف إلى قرابة 50%. فحتى وجود مبلغ 10 آلاف إلى 15 ألف دولار في البنك لم يعد ضمانةً لقبول الملف، نتيجة شكوك لدى السفارة الفرنسية بنوايا المتقدّمين، سيّما مع تزعزع الاستقرار اللبناني نتيجة الحرب، واحتمال إقفال مطار بيروت الدولي في توقيت عودتهم، وما قد يترتّب عنه من طلب تجديد إقامة أو ربما لجوء". وكمكتب يتابع ملفات المتقدّمين، "ندعو عملاءنا لمتابعة المسار القانوني والطعن بالرفض بهدف كسب ثقة السفارة الفرنسية وإقناعها بجدّية الملفات".


سفارات لا تعترف بـ "أملاك الجنوبيين"؟

ولا شكّ في أن أزمة المصارف في لبنان أثّرت على صعيدين اثنين: فأوّلا، هناك من يفتح اليوم حساب دولار فريش ليستوفي شرط كشف الحساب البنكي، ولا يجرؤ على وضع أكثر من 10 إلى 15 ألف دولار في حسابه حتى لو كان يملك مبلغًا أكبر نتيجة تراجع الثقة بالمصارف، فيفضّل أن يشتري عقارات أو سيارات فخمة ويرفقها في طلبه كأصول.

هذا ويكشف المغربي أن البُعد السياسي لانعدام الاستقرار اللبناني وصل بسفارات أوروبية إلى اعتبار أملاك الجنوبيين غير مضمونة، كأن تردّ عليهم في رفضها للتأشيرة بأنه "لا قدرة لديكم على العودة لمنازلكم دون إذن من الجيش الإسرائيلي"، وهو ما قد يشكّل عائقًا لجنوبيين كثر، لم يعد يُعترف بأملاكهم كضمانة!


فرنسا "مش مستقصدة" لبنان

وعن صعوبة قبول فرنسا طلبات تأشيرات اللبنانيين إليها في السنوات الأخيرة، يرى الدكتور بول طبر من جهته أن هذه السياسة لا تتعلّق بلبنان وحده، بل إنها سياسة عامة تنتهجها فرنسا. فرفض طلبات التأشيرات يتجانس مع سرديتها التي تواجه عبرها الأزمة المعيشية التي دخلتها أوروبا بإلقاء اللوم على المهاجرين.

لكن طبر، في المقابل، يشدّد على أنه علينا كلبنانيين عدم الاكتفاء بالسؤال حول رفض فرنسا تأشيراتنا، بل أن نسأل ونبحث في الأسباب التي تجعل لبنان يصدّر عمالته إليها أو إلى دول أخرى. فلبنان يدفع ثمن تعليم اليد العاملة لتهاجر إلى فرنسا وأستراليا وغيرها، وهذا سؤال أيضًا يستحق البحث.


اللبنانيون "كلاس" حتى في ثوراتهم!

ولا يمكن فصل موقف جزء كبير من اللبنانيين من الشغب في احتجاجات باريس عن نظرة لبنانية حول الشغب في احتجاجات انتفاضة لبنان عام 2019، حيث نال من كسروا أملاكًا عامة في وسط بيروت نصيبهم من الانتقادات، بينما هناك لبنانيون برّروا ما حصل في بيروت، وقد يبرّرون ما يحصل في باريس اليوم أيضًا، على أن الثورات لا تخلو من الصراع الطبقي.

والثابت هو حق الشعوب بالثورة، وفرنسا عرفت ثورات على مرّ التاريخ. أما في لبنان، فالعجيب ليس انقسام اللبنانيين بين مؤيّد لثورة لا تخلو من الشغب ومعارض لها، بل قدرة اللبنانيين على تحمّل ظروف عيش لا تُحتمل، فيما الشوارع تخلو من المتظاهرين!