مارك يعقوب

باريس تحترق… لكنّ المأساة بدأت حين انطفأ الإنسان قبل أن تشتعل المدينة

6 دقائق للقراءة

مع اليسار بدأ انحطاط فرنسا.

أيّ شعبٍ يطالب الدولة بأن تُطعمه وتكسوه وتضمن له كلّ شيء، هو شعبٌ يحكم على نفسه بالفقر والتبعية. وأيّ شعبٍ يسأل ماذا يستطيع أن يفعل ليبني دولته، هو شعبٌ كُتب له الإبداع والقوّة والازدهار. فالحضارات لا تُبنى بما تنتظره الشعوب من دولها، بل بما تمتلكه من إرادةٍ لبناء مصيرها بأيديها.

ما تشهده فرنسا من فوضى وحرائق واشتباكات ليس سوى الوجه الظاهر لانحطاطٍ بدأ منذ عقود. فمنذ أن تضخّم دور الدولة، واتّسعت وصايتها على الفرد، وأُنهكت المبادرة الحرّة وبيئة الأعمال وفرص العمل تحت وطأة السياسات والبيروقراطية، بدأت فرنسا تفقد المقوّمات التي صنعت ازدهارها. وتلك جناية اليسار الغوغائيّ الذي وعد الإنسان بالتحرّر من الحاجة، فإذا به يجعل حاجته إلى الدولة شرطًا لبقائه، ويحوّل حماية الضعيف إلى وسيلةٍ لإدامة ضعفه. وما أشدّ وقاحةَ صانع الداء حين يعود في ثوب الطبيب، متّخذًا من قول أبي نواس «وداوِني بالتي كانت هي الداءُ» وصفةً لحكم الشعوب.

فرنسا اليوم ليست سوى الصورة الأوضح لمأزقٍ أوروبيّ أوسع. فقارّةٌ تضمّ ١٢٪ من سكّان العالم، وتنتج ٢٥٪ من اقتصاده، وتستحوذ على ٦٠٪ من إنفاقه الاجتماعي، تكشف عن فشلٍ يستحقّ الإدانة أكثر ممّا يستحقّ التبرير. فكيف يمكن لأوروبا أن تستمرّ في تمويل هذه الرفاهية فيما تتآكل القاعدة الإنتاجية التي تقوم عليها؟ فإعادة توزيع الثروة لا تعوّض تراجع إنتاجها، ولا يمكن للإنفاق الاجتماعي أن يستمرّ دون اقتصادٍ قادرٍ على توليد الدخل والإيرادات اللازمة لتمويله.

لقد انشغلت أوروبا بتقاسم ثمار الازدهار حتى أهملت الجذور التي أنبتتها، فأصبحت كوريثٍ يبدّد ثروة أجداده، متوهّمًا أنّ ما ورثه سيغنيه إلى الأبد عن مشقّة العمل والإنتاج. وحين تعجز الحصيلة عن تمويل الوعود، تُرحَّل الفاتورة بالاستدانة إلى أجيالٍ لم تولد بعد، وكأنّ من حقّ الحاضر أن يعيش على حساب مستقبلٍ لا يملك أصحابه حقّ الاعتراض. وها هي الأسواق بدأت تحصيل فاتورة هذا الانحدار؛ فعائد سندات فرنسا الحكومية لعشر سنوات بلغ ٤٫٨٦٪، متجاوزًا عوائد سندات إيطاليا عند ٤٫٥٣٪، واليونان عند ٤٫٣٦٪، والبرتغال عند ٣٫٩٠٪. فأيّ سقوطٍ أفدح من أن تصبح باريس أغلى اقتراضًا من أثينا ولشبونة، اللتين احتاجتا بالأمس إلى الإنقاذ المالي؟

ولم يقتصر هذا التراجع على المال، بل امتدّ إلى مقوّمات السيادة نفسها. فأوروبا التي أقامت المصانع والمختبرات راحت تستند في أمنها إلى أميركا، وفي طاقتها إلى روسيا، وفي جانبٍ متزايد من صناعاتها إلى آسيا، وكأنّ السيادة يمكن أن تُستعار. وألمانيا خير شاهدٍ على ذلك؛ فقد بنت تنافسية صناعتها على الغاز الروسي، ثم كشفت حرب أوكرانيا هشاشة اعتمادها عليه، فيما أغلقت آخر مفاعلاتها النووية وكأنّ النوايا الحسنة قادرةٌ على تشغيل المصانع. وفي الوقت نفسه، راحت أوروبا تتباهى بخفض انبعاثاتها، ولو جاء بعض ذلك بنقل الإنتاج إلى مصانع خارجها أشدّ تلويثًا. فما أسهل أن يتباهى المرء بنظافة يديه، ما دام يترك لغيره كلّ عملٍ قد يوسّخهما.

ويتفاقم المأزق مع تراجع الأجيال القادرة على تمويل هذه الرفاهية. ففي عام ٢٠٢٥، بلغ معدّل الخصوبة ١٫٥٦ طفلًا لكلّ امرأة في فرنسا و١٫٣٢ في ألمانيا، وسجّلت فرنسا وفياتٍ فاقت الولادات للمرّة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وأمام هذا الواقع، جاءت سياسات الهجرة الواسعة بشعارات الإنتاجية والتنوّع الثقافي، متجاهلةً أنّ استقدام عمالةٍ تفتقر إلى المهارات المطلوبة، من دون تأهيلٍ واندماجٍ فعّال، قد يجعل كلفة إعاناتها وخدماتها تفوق مساهمتها الضريبية. فليست العبرة بعدد الأيدي، بل بما تنتجه لتمويل مجتمعٍ تتعاظم التزاماته وتتقلّص أجياله.

غير أنّ الكارثة تتجاوز حدود الاقتصاد. فحين تتراجع أسباب الإنتاج، يمتدّ الوهن إلى التعليم والثقافة والنسيج الاجتماعي، حتى يجد ابن البلد نفسه غريبًا في أرضه، عاجزًا عن التعرّف إلى القيم التي قامت عليها حضارته. يُستنزَف اقتصاديًا، ويُشتَّت ثقافيًا، ويُرهَق نفسيًا، حتى يصبح البقاء غايته بعدما كان أسلافه يصنعون المجد ويغيّرون وجه التاريخ. والأخطر من فقر الموارد أن يفقر الإنسان في انتمائه وإرادته، فلا يعود يرى في المستقبل مشروعًا يبنيه، بل عبئًا ينتظر من غيره أن يحمله.

أمّا المهزلة التي يتنازع أبطالها على الشعارات ويتّحدون في الإفلاس، فهي أنّ الفارق الاقتصادي بين اليمين واليسار انهار في الغرب منذ سنوات، حتى بات كلاهما أشدّ يساريةً من اليسار نفسه، وفرنسا اليوم مرآةٌ فاضحةٌ لهذا التناقض. فاليسار يعد بمزيدٍ من الإنفاق باسم العدالة الاجتماعية، واليمين الشعبوي يعد بالشيء نفسه باسم الأولوية الوطنية. يختلفان على المستفيد من أموال الدولة، ويتّفقان على استمرار الاعتماد عليها. وهكذا يتغيّر لون الراية، بينما تبقى فلسفة الحكم على حالها؛ ويتحوّل الصراع السياسي إلى منافسةٍ على إدارة التبعية، لا على تحرير المجتمع منها.

الأسوأ أنّ هذا الواقع جعل الإصلاح الاقتصادي مأزقًا ديمقراطيًا. فمَن يجرؤ على تقليص دولةٍ أصبح المواطن يعتمد عليها في تفاصيل حياته، بعدما تحوّلت منافعها إلى حقوقٍ سياسية لا يقبل المساس بها؟ ما يحتاج إليه الاقتصاد بات يهدّد ما يحتاج إليه السياسيّ من أصوات، حتى أصبحت الضرورة الاقتصادية انتحارًا انتخابيًا. فالناخب يشكو من الضرائب والديون وتراجع المعيشة، ثم يخشى خسارة ما اعتاد الحصول عليه من الدولة؛ والسياسيّ يدرك كلفة الإصلاح، لكنّه يخشى دفع ثمنها في صناديق الاقتراع. وهكذا تغدو الديمقراطية قادرةً على تغيير حكّامها، عاجزةً عن تحرير الحاكم والمحكوم من التبعية المتبادلة التي صنعت أزمتها.

هكذا يصبح العجز فضيلةً، والمطالبة بالإصلاح جريمةً، والتنازل عن المستقبل ثمنًا مقبولًا لراحة الحاضر. ولا تحتاج حضارةٌ بلغت هذا الحدّ إلى عدوٍّ يهزمها، فقد تعلّمت أن تدافع عن أسباب هزيمتها بنفسها.

قد تنطفئ حرائق باريس، وقد تتبدّل الحكومات وتتغيّر الأكثرية في البرلمان، لكنّ شيئًا من ذلك لن يعالج أصل البلاء ما لم تتغيّر العقلية التي جعلت الإنسان ينتظر خلاصه ممّن ساهموا في صناعة أزمته. فمأساة فرنسا ليست أنّ الدولة عجزت عن إعطاء أبنائها كلّ ما يطلبونه، بل أنّ أبناءها اعتادوا طلب ما لم تعد الدولة قادرةً على إعطائه، بعدما أُضعفت فيهم القدرة على صناعته بأنفسهم. لقد كانت مأساة الحضارات القديمة أنّ أعداءها هدموا أسوارها، أمّا مأساة أوروبا اليوم فهي أنّ أبناءها يهدمون من الداخل ما عجز الأعداء عن هدمه من الخارج. فالتاريخ لا يمنح الأحفاد عظمة الأجداد بحقّ الوراثة، ولا يحفظ مجد أمّةٍ فقدت الإرادة لصناعة مجدٍ جديد.

مسكينةٌ يا باريس… ما أفجع أن يبقى عظماؤك شامخين في تماثيلهم، بينما تنحني رؤوسُ من ورثوا أمجادهم، وكأنّ الحجر صار أكثر وفاءً للتاريخ من الإنسان…

وما أقسى أن تكون مأساة باريس مرآةً لمصير أوروبا، تلك القارّة العجوز التي حملت ذاكرة القرون على كتفيها، ثم أثقلها المرض حتى باتت أعجز من أن تحمل نفسها…

فصلّوا لأوروبا، لعلّ الله يُحيي في أبنائها ما مات من عزيمة أجدادها.