وصلت الارتدادات السياسية لأعمال الشغب والتخريب التي اجتاحت المدن الفرنسية أخيرًا إلى أميركا، إذ استغلّ الرئيس الجمهوري دونالد ترامب الفوضى التي يحرّكها اليسار الفرنسي المتطرّف ومجتمعات مهاجري دول الشرق الأوسط وأفريقيا في فرنسا لتعزيز حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية الأميركية المقرّر إجراؤها في 3 تشرين الثاني المقبل. وتوجّه ترامب، خلال قيامه بجولة انتخابية مكثّفة تشمل سبع ولايات فاز فيها في انتخابات عام 2024، إلى الأميركيين بالقول: "إذا أردتم أن تعرفوا ما هو على المحكّ في هذه الانتخابات، فما عليكم سوى النظر إلى ما يجري في فرنسا، تلك الأمة التي كانت عظيمة يومًا ما، والتي يجري غزوها ونهبها وإحراقها حتى الرماد على أيدي المهاجرين والجهاديين والشيوعيين الذين يكرهون المسيحية والحضارة الغربية نفسها".
يحاول الرئيس الأميركي التركيز على إنجازات إدارته في مسألة الهجرة، في الوقت الذي يدأب فيه الديموقراطيون على انتقاد الأوضاع الاقتصادية تحت إدارته، متّهمين ترامب باعتماد سياسات ساهمت في ارتفاع معدل التضخّم، خصوصًا الرسوم الجمركية والحرب ضدّ النظام الإيراني. وبينما يخسر حزب الرئيس مقاعد في الكونغرس في الانتخابات النصفية عادةً، يسعى ترامب إلى الحدّ من الخسائر عبر منع الديموقراطيين من السيطرة على مجلسَي الكونغرس بهدف تجنّب عرقلة أجندته خلال العامَين الأخيرَين من عهده.
رغم أن نسبة التأييد المتدنية لترامب والسباقات الانتخابية المحتدمة على نحو غير متوقّع في معاقل الجمهوريين تُثير مخاوف من تحقيق الديموقراطيين "موجة زرقاء"، تشير استطلاعات الرأي إلى أن الأفضلية التي يتمتّع بها "حزب الحمار" ليست كبيرة. ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى أن معظم الأميركيين، خصوصًا المستقلّين منهم، يعتبرون أن عددًا من مرشّحي الديموقراطيين ينتمون إلى تيارات يسارية متطرّفة. وتؤمن تلك التيارات، ولا سيّما منظمة "الاشتراكيون الديموقراطيون في أميركا"، بمجموعة من الأفكار غير الشعبية في أميركا، مثل الحدود المفتوحة وتجنيس المهاجرين غير الشرعيين وإلغاء وكالة الهجرة والجمارك وخفض موازنة الشرطة. لذلك، يُركّز ترامب على إنجازاته في تلك المجالات لأنّ بعض الناخبين يعطي الأولوية لتلك المسائل على حساب المسألة الاقتصادية. لكن تبقى ورقة الأحوال المعيشية الأكثر تأثيرًا في الانتخابات.
انطلاقًا من ذلك، جاءت أحداث فرنسا لتعطي الرئيس الجمهوري مادة دسمة يمكنه استثمارها في المعركة الانتخابية. كما أعطت فوضى المهاجرين والمواطنين الجاحدين واليسار المتطرّف جرعة دعم إضافية لمرشّحة اليمين الحازم الفرنسي للرئاسة مارين لوبن، التي تتصدّر استطلاعات الرأي في مسعاها إلى دخول قصر الإيليزيه العام المقبل. ويأتي ذلك في إطار "موجة يمينية" تجتاح دولًا غربية عدّة أخيرًا، ويُمكن ردّ هذه الموجة بشكل رئيسي إلى الخطر المشترك الذي يواجه الحضارة الغربية والمتمثّل في مجتمعات من أصول مهاجرة غير مندمجة. كما ساهمت السياسات الاقتصادية اليسارية التي سيطرت لعقود على الكثير من الدول الغربية في صعود اليمين، بعدما أدّى تدخّل الدولة المفرط في الأسواق إلى ارتفاع مستمرّ في كلفة المعيشة وفي الضرائب، وتضخّم هائل في حجم البيروقراطية والدين العام.
ومع أن صعود اليمين في الغرب يدعو إلى التفاؤل بإمكانية معالجة المشكلات التي تسبّبت بها سياسات الاندماج والهجرة والنظريات الاقتصادية اليسارية، من المتوقّع أن تكون طريق الإصلاح معبّدة بالألغام، خصوصًا بالنسبة إلى معظم الدول الأوروبية، التي ذهبت بعيدًا في تجنيس ملايين المهاجرين الذين ينتمون إلى ثقافات تتناقض تمامًا مع الثقافة الغربية. كما أن مساعي الحدّ من حجم القطاع العام والبيروقراطية في الدول الأوروبية ستواجه معارضة شرسة من شبكات المصالح التي استفادت على مدى عقود من الأوضاع القائمة. وسيتوقّف نجاح اليمين في تحقيق أهدافه في أي دولة غربية على حجم التأييد الذي يناله من الشعب، إذ إن التغييرات الجذرية تتطلّب شرعية شعبية واسعة النطاق. وتكمن الخطورة في أن احتمال وقوع صدام داخلي مستقبلًا في بعض الدول الأوروبية بات مرتفعًا.