إسرائيل هي الشمّاعة التي يعلّق عليها أهل الحكم والقوى السياسية في لبنان إخفاقاتهم. حاضرة في المقاربات والمواقف والخطابات. ذريعة جاهزة للتهرّب من المسؤولية.
حين نحمّل إسرائيل مسؤولية فشل اتفاق الإطار، فيما نعجز عن تنفيذ واجباتنا في نزع سلاح "حزب الله"، نكون قد حوّلنا إسرائيل إلى ورقة تين تستر عجزنا عن معالجة أصل المشكلة.
حين نتجاوز جوهر الأزمة، أي سلاح "حزب الله" الذي استجلب الدمار والاحتلال إلى لبنان، ونكتفي بمطالبة الأميركيين بالضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية وتجريفها للقرى، من دون تحمّل مسؤولية معالجة جذرية لمشكلة السلاح، نكون أيضًا أمام محاولة للتغطية على فشلنا، لا أمام مقاربة جدية لإنقاذ البلاد.
وحين نستحضر إسرائيل عند كل مناسبة، بحقّ أو بغير حقّ، لكننا نعجز عن تسمية "حزب الله" صراحةً في قضية شاحنة المتفجرات، على الرغم من إعلانه ملكيته لها، نكون أمام سلطة تبحث عن المخارج والذرائع، بدلا من اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستعادة هيبتها وفرض سيادتها وحماية الناس.
وحين نستقبل وفدًا من نواب "حزب الله" و"حركة أمل"، ثم نعلن عن مشاريع بقيمة 70 مليون دولار أميركي في الجنوب قبل نهاية العام 2026، نكون أمام سلطة لا تريد بناء علاقة مباشرة مع أبناء الطائفة الشيعية على أُسس المواطنة ومرجعية الدولة، بل تُكرس قاعدة أن علاقة الشيعة مع الدولة ومؤسساتها تمرّ حصرًا عبر "الثنائي الشيعي".
وحين نوافق على التمديد لرئيس الجامعة اللبنانية، ونعين محافظًا للنبطية استجابةً لمنطق الفرض الذي يكرّسه الرئيس نبيه بري، نكون أمام سلطة تعمل على استرضاء بري، وتكرّس منطق المحسوبية والزبائنية على حساب بناء مؤسسات تقوم على الكفاءة والاستقلالية.
وحين يصبح الحديث عن إسرائيل ومسؤوليتها وعملياتها مادّة يومية للخطابات السياسية، فيما لا نرى فاسدًا واحدًا خلف القضبان، وتغيب الإنجازات في الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه واتصالات وإنترنت وطبابة وطرقات وإدارة نفايات، نكون أمام دولة أخفقت في أبسط واجباتها تجاه مواطنيها.
بعد نحو عامين على انتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة نواف سلام، لا يُمكن الإعلان عن إنجازات ملموسة تطال حياة المواطن اليومية، فيما لا يتوقفان عن التنديد بالخروقات الإسرائيلية. إن فرض أبسط مظاهر النظام العام، أي هيبة شرطي السير في الشارع، فشلا في تحقيقه.
والفساد لا يقتصر على إدخال المال العام إلى الجيوب الخاصة. فثمة فساد آخر يتمثّل في سوء إدارة المال العام، وهدره من دون إنتاجية، وتسخيره لخدمة المصالح الحزبية والشخصية، أو السماح باستمرار المسؤولين عن الهدر والإخفاق في مواقعهم من دون محاسبة.
المشكلة الأساسيّة أننا اعتدنا التهرب من تحمل مسؤولياتنا وفشلنا في ترجمة وعدنا ببناء دولة السيادة والقانون والمؤسسات إلى حقيقة، بل في تحويل اسرائيل إلى ذريعة دائمة لتعليق كل نقاش داخلي، ونزع السلاح، وتعطيل المحاسبة، وتأجيل الإصلاح، والتهرّب من معالجة الأسباب التي أوصلت لبنان إلى مصاف "الدولة الفاشلة".
نحن فاشلون في إدارة دولتنا، لكننا بارعون في تعليق فشلنا على إسرائيل. وحين تصبح الشمّاعة إنجازنا الوحيد، لا يعود السؤال عمّا تفعله إسرائيل بلبنان، بل عمّا نفعله بأنفسنا.
بداية خروجنا من "الدولة الفاشلة" لا يمكن أن يحصل قبل إسقاط مبدأ "الشماعة إسرائيل" من قاموسنا السياسي.