تتوالى على اللبنانيين النكبات، وكأنهم محكومون بمتاهة لا نهاية لها، تتكرر فيها الأزمات الأمنية والمعيشية والصحية. وها هي المتاهة تعيد إنتاج نفسها اليوم، مع ظهور شاحنات محمّلة بالمتفجرات تعبر نقاطًا حيوية، كضهر البيدر، يُكتشف بعضها مصادفةً، كما حدث مؤخرًا، في مشهد يطرح أسئلة خطيرة حول جدية الرقابة الأمنية، وهيبة الدولة، وما قد تحمله هذه الوقائع من مخاطر على اللبنانيين.
ومن شاحنات المتفجرات إلى فضائح مخازن الأدوية الفاسدة أو غير المطابقة للمواصفات، تتكشف فصول مشهد واحد، تتداخل فيه المخاطر الأمنية مع العبث بصحة المواطنين، وتحويل حاجة المريض إلى فرصة للربح غير المشروع. ويزداد المشهد خطورةً مع محاولة حزب الله عرقلة المداهمة الأمنية بحجة عدم التنسيق معه، وكأنّ الأرض اللبنانية مقسّمة بين أولاد ستّ وأولاد جارية.
إذا كانت مخازن الأدوية الفاسدة تهدف إلى تحقيق أرباح خيالية على حساب صحة المواطنين، فما الغاية من شاحنات المتفجرات ولوازمها؟ وهل يسعى حزب الله إلى التعويض عن هزائمه في الجنوب أمام إسرائيل بنقل المواجهة إلى الداخل اللبناني، عبر إعادة إحياء مسلسل الاغتيالات والتفجيرات المتنقلة، على غرار ما شهده لبنان بعد حرب تموز 2006؟
قد تبدو وقائع مخازن الأدوية الفاسدة وشاحنات المتفجرات منفصلة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة: دويلة تسعى إلى تأمين التمويل وصون نفوذها ومكتسباتها بأي وسيلة، في مقابل دولة تتآكل هيبتها، وقانون تتراجع سلطته، ونفوذ سياسي يتعامل مع مؤسسات الدولة وكأنها خاضعة لإرادته، لا لسلطة القانون. وهكذا يجد اللبنانيون أنفسهم أسرى فصول رواية بوليسية معقّدة، لا يعرفون نهايتها، ولا أيّ مفاجأة خطيرة تخبّئها لهم فصولها المقبلة.
من هنا، يبرز السؤال الذي لم يعد في وسع اللبنانيين تجاهله: أيُّ مستقبلٍ يرسمه حزب الله للبنانيين؟
إنّ المسار السياسي والعسكري الانتحاري الذي يتمسّك به حزب الله يدفع لبنان نحو مستقبل قاتم، تُحدّد ملامحه حسابات إيرانية استراتيجية، فيما يتحمّل اللبنانيون وحدهم كلفة نتائجها، من دون أن يملكوا، هم أو دولتهم، القدرة على التحكم بمسارها أو منع تداعياتها. فحين يصبح قرار الحرب والسلم مرتبطًا بمصالح خارجية، يتحوّل الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات، ويصبح أمن شعبه واقتصاده واستقراره رهينة رهانات لا يملك تقريرها.
لكنّ الأخطر من ذلك هو انهيار ثقة المواطن بالدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية، حين يتولّد لديه شعور بأنّ نفوذ حزب الله قد يشكّل حاجزًا أمام التحقيق وتعطيلًا للمحاسبة. إنّ ملفات نقل المتفجرات والأدوية الفاسدة تستوجب تحقيقات شفافة ومحاسبةً لا تستثني أحدًا، بعيدًا عن الحماية السياسية والحسابات الحزبية. فلا يجوز لأي جهة، مهما بلغ نفوذها، أن تضع نفسها فوق القانون أو أن تجعل من قوتها وسيلةً لمنع كشف الحقيقة.
فالدولة التي تعجز عن حماية دواء المريض، وضبط حركة المتفجرات، ومحاسبة المتورطين، لا تفقد هيبتها فحسب، بل تتخلّى عن أبسط واجباتها تجاه مواطنيها، وتفتح الباب أمام منطق الدويلة التي تفرض إرادتها على الدولة، والمصالح التي تتقدّم على سلامة الناس وحقوقهم.
فأيُّ مستقبلٍ ينتظر اللبنانيين إذا بقي قرار وطنهم خارج دولتهم، وأمنهم رهينة صراعات الآخرين، وحقوقهم خاضعةً لموازين النفوذ؟
لم يعد السؤال متعلقًا بمستقبل حزب الله وحده، بل بمصير لبنان نفسه: هل يكون دولةً سيدةً يقرّر أبناؤها مصيرهم، ويخضع الجميع فيها لقانون واحد، أم يبقى ساحةً مفتوحةً للصراعات الإقليمية، يدفع شعبها أثمانها من أمنه واقتصاده وأبنائه؟
بين هذين المسارين، تتحدّد معركة اللبنانيين الحقيقية: استعادة وطنٍ يملكون قراره، ودولةٍ تحمي جميع مواطنيها بلا استثناء، وقانونٍ لا يخضع للنفوذ، ومستقبلٍ لا يُفرض عليهم بقوة السلاح ولا يُرهن بحسابات الخارج.
فلبنان ليس قدرًا محتومًا أن يبقى رهينة، واللبنانيون ليسوا مجبرين على دفع ثمن مغامرات لا يقرّرونها.