أصدرت محاكم فرنسية أحكاماً سريعة، شملت عقوبات بالسجن النافذ، بحق متهمين على خلفية أعمال الشغب التي اندلعت على هامش احتجاجات شهدتها البلاد خلال عطلة نهاية الأسبوع، في وقت تدافع فيه الحكومة عن تسريع الإجراءات القضائية باعتباره ضرورة لاستعادة النظام، وسط انتقادات من محامين يتهمون السلطات باستخدام القضاء أداة للردع والقمع.
وتؤكد الحكومة الفرنسية أن المحاكمات المعجّلة ضرورية لإعادة فرض الأمن، بعد أعمال عنف شهدتها المدن السبت وتُعد من بين الأسوأ خلال السنوات الأخيرة. غير أن المحاكم تواجه ضغطاً كبيراً نتيجة كثافة الملفات، فيما يرى محامون أن حجم الملاحقات وسرعة المحاكمات يثيران مخاوف بشأن ضمانات العدالة.
ومن بين القضايا التي نظرتها المحاكم، قضية الطالبة ماتيلد ب. (19 عاماً) وفرانسوا د. (20 عاماً)، الذي قال إنه يطمح إلى العمل مرشداً جبلياً. وكان الشابان قد قدما السبت إلى باريس من مدينة أوكسير الواقعة جنوب شرقي العاصمة.
وخلال تفتيش حقيبة الشاب، عثرت الشرطة على قبضة حديدية وسكين قابل للفتح آلياً، كما تبيّن أن الاثنين تبادلا عبر مواقع التواصل الاجتماعي أحاديث عن "حرب عصابات" و"الاعتداء على عناصر شرطة مكافحة الشغب".
وحُكم على ماتيلد بالسجن خمسة أشهر مع وقف التنفيذ، فيما صدر بحق فرانسوا حكم بالسجن ثمانية أشهر، بينها شهران نافذان، وأُودع السجن فوراً.
وقال المحامي تريستان لوليس، المسجّل في نقابة المحامين بمدينة ميلون جنوب باريس، إنه يتولى الدفاع عن متهم طلب الادعاء العام إنزال عقوبة السجن خمسة أشهر بحقه مع إيداعه السجن فوراً.
وانتقد لوليس ظروف المحاكمة، قائلاً إنها تستند إلى "ملف من 50 صفحة أُعدّ، برأيي، على عجل، ويتضمن محاضر غالباً ما تكون غامضة وتفتقر إلى التفاصيل"، مشيراً إلى أن موكله تعرّض، بحسب قوله، للضرب أثناء احتجازه.
ضغوط على القضاة؟
وفي مدينة مرسيليا جنوبي فرنسا، التي شهدت بعضاً من أعنف الاضطرابات، أعلن وزير العدل جيرالد دارمانان، الأربعاء، أن السلطات أوقفت نحو 2500 شخص في أنحاء البلاد خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأن 917 منهم يواجهون ملاحقات قضائية، واصفاً الرقم بأنه "مثير للإعجاب حقاً".
وقال دارمانان إن "زنزانات التوقيف ممتلئة"، في إشارة إلى الأماكن المخصصة لاحتجاز الموقوفين قبل محاكمتهم، معتبراً أن ذلك دليل على "حزمنا الكبير".
ويبرز دارمانان، الذي سبق أن تولى وزارة الداخلية ويُعد من أبرز أعضاء الحكومة وأكثرهم نشاطاً، في واجهة التحرك الرسمي، فيما تسعى حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إلى إظهار قدرتها على السيطرة على الوضع.
وكان دارمانان يُنظر إليه سابقاً بوصفه صاحب طموحات رئاسية، وهو من أبرز داعمي رئيس الوزراء الأسبق المنتمي إلى يمين الوسط إدوار فيليب، الذي يُنظر إليه على أنه أحد المرشحين القادرين على منافسة زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
في المقابل، قال المحامي الباريسي رومان رويز، العضو في مجموعة "الغضب الأسود" المنتقدة بشدة للنظام القضائي: "نحن هنا لمعارضة ما نعتبره محاولة من جيرالد دارمانان لجعل النظام القضائي أكثر تشدداً في العقوبات".
واتهم رويز الوزير بـ"ممارسة ضغوط على القضاة بهدف فرض عقوبات أشد"، و"الاحتفاء علناً بسجن الشباب".
وأضاف: "لن نقبل أبداً بأن يتحول النظام القضائي إلى أداة للقمع".
أحكام استثنائية
ومن بين الذين مثلوا أمام القضاء، مانويل، وهو طاهٍ يبلغ 21 عاماً من وسط فرنسا، ولا سوابق جنائية لديه. وقال إنه جاء إلى باريس "بقرار عفوي" للاحتفال بعيد ميلاده مع أحد أصدقائه.
لكن الشرطة أوقفته السبت قرب نقطة انطلاق إحدى التظاهرات، وعثرت بحوزته على زجاجات وقطع قماش وولاعة، وهي أدوات وصفها المدعي العام بأنها "عدة متكاملة" لصنع زجاجة حارقة من نوع مولوتوف.
وحُكم عليه بالسجن شهرين نافذين وستة أشهر إضافية مع وقف التنفيذ.
كذلك، أوقفت الشرطة سليمان، وهو شاب من ساحل العاج يبلغ 19 عاماً ولا يحمل إقامة قانونية في فرنسا، في شمال باريس، للاشتباه بمحاولته سرقة دراجة نارية صغيرة بعد اقتحام متجر.
وبالنظر إلى إدانته ثلاث مرات سابقاً، حُكم عليه بالسجن ثمانية أشهر وأُودع السجن.
أما جوليان م. (27 عاماً)، وهو فنان فيديو من جنوب شرقي فرنسا، فيواجه اتهاماً برمي مخروط مروري كاد يصيب أحد عناصر الشرطة.
وتعهد جوليان بأن تكون هذه التظاهرة الأخيرة التي يشارك فيها، فيما قررت المحكمة إطلاق سراحه تحت الرقابة القضائية إلى حين محاكمته المقررة في نهاية تشرين الثاني.
وكان دارمانان قد أعلن، الثلثاء، خلال زيارة إلى مدينة ليل شمال فرنسا، التي شهدت بدورها أعمال شغب واسعة، أن 150 شخصاً أُودعوا السجن بالفعل.
ويُعد هذا الرقم مرتفعاً في فرنسا، حيث تُنفّذ عقوبات السجن القصيرة في كثير من الأحيان خارج المؤسسات العقابية، من خلال المراقبة الإلكترونية.
وفي هذا السياق، أثار إيداع أشخاص لا سوابق جنائية لديهم السجن على خلفية جرائم مرتبطة بإلحاق أضرار بالممتلكات انتقادات قانونية، إذ وُصف هذا التوجه بأنه "غير معتاد إلى حد كبير، وربما غير مسبوق".