فاروق غانم خداج

جبران ونعيمه: بين حدّة النقد وإنصاف التجربة

6 دقائق للقراءة

لم تكن العلاقة بين جبران خليل جبران وميخائيل نعيمه مجرّد صداقة جمعت أديبَين في المهجر، بل كانت مساحة تفاعلت فيها الرؤية الأدبية مع الموقف النقدي، وتجاورت فيها حرارة الوجدان مع صرامة المساءلة. لذلك، فإنّ قراءة هذه العلاقة بمنطق المفاضلة أو الخصومة تُفقدها جانبًا أساسيًا من معناها؛ إذ لا تُعدّ حدّة الناقد في بعض المواضع دليلا على رفضه تجربة صديقه، كما لا تعني إشادته بعمل أدبي موافقته على كل ما يكتبه صاحبه.

تأسست "الرابطة القلمية" في نيويورك في 28 نيسان 1920، وانتُخب جبران عميدًا لها، فيما تولّى نعيمه موقع المستشار. ولم تكن "الرابطة" إطارًا تنظيميًا فحسب، بل مثّلت محطة بارزة في تطوّر الأدب العربي الحديث في المهجر، حيث سعى أدباؤها إلى تجاوز القوالب الموروثة وتوسيع آفاق التعبير، من غير أن تتطابق رؤاهم في كل مسألة أدبية أو لغوية.

كان جبران يميل إلى الرمز والتأمّل الوجداني، ويستثمر الصورة في التعبير عن أسئلته الوجودية والإنسانية، فيما اتجه نعيمه إلى مساءلة النصوص ووضع معايير للنقد الأدبي، وهو ما تجلّى بوضوح في كتابه "الغربال"، الصادر في القاهرة عام 1923. ولا يعني اختلاف المنطلقات أن أحدهما كان نقيض الآخر؛ فقد كان اختلافهما جزءًا من حيوية التجربة الأدبية التي جمعتهما.


نقد يتجاوز المجاملة

لم يكن "الغربال" كتابًا في التنظير النقدي وحده، بل تضمّن قراءات تطبيقية لأعمال أدبية، من بينها كتابا جبران "السابق" و "العواصف". وتتيح قراءة هذه النصوص فهم موقف نعيمه من أدب صديقه بعيدًا من الأحكام المطلقة التي تختزل العلاقة في الإعجاب أو الرفض.

في تناوله كتاب "السابق"، تتداخل الصلة الشخصية بالعمل النقدي، وهي مسألة تستحق الانتباه عند تقويم أحكام نعيمه. فالصداقة قد تؤثر في زاوية النظر، لكنها لا تلغي بالضرورة استقلال الناقد أو قدرته على مساءلة النص. وفي المقابل، لا يكفي افتراض وجود معايير نقدية لإثبات أن الأحكام جميعها كانت بمنأى عن التأثّر الشخصي. لذلك، فإن تحديد طبيعة نقد نعيمه لجبران يقتضي الوقوف عند الحجج والأمثلة التي يستند إليها في أحكامه، لا الاكتفاء بوصف عام للعلاقة بينهما.

أما في حديثه عن "العواصف"، فقد عبّر نعيمه عن تقديره للحضور اللبناني في أدب جبران، ورأى في كتاباته قدرة على نقل روح الوطن وملامحه إلى اللغة. وتكشف هذه الإشادة عن جانب مهم من قراءته لتجربة جبران، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جميع ملاحظاته النقدية في الكتاب، ولا تعني موافقته على كل خيارات صاحبه الفنية والفكرية.

إن قيمة "الغربال" لا تنبع من حدّة بعض أحكامه وحدها، بل من إصراره على أن النص الأدبي ليس بمنأى عن النقد، حتى عندما يكون صاحبه صديقًا مقرّبًا. فالمجاملة لا تصنع نقدًا، كما أن القسوة في الحكم لا تكفي وحدها لإثبات موضوعيته؛ والمعيار الحقيقي هو الحجة التي يسند بها الناقد رأيه، ومدى اتصالها بالنص الذي يقرؤه.


دفاع الناقد عن الشاعر

من أبرز الشواهد على طبيعة العلاقة بين الرجلين موقف نعيمه من استعمال جبران كلمة "تحمّمت" في قصيدته "المواكب"، بدلا من "استحممت". فقد أثار هذا الاستعمال نقاشًا لغويًا، لكن نعيمه لم يتعامل معه بوصفه مسألة تُحسم بالرجوع إلى القاموس وحده، بل جعله مدخلا للدفاع عن حيوية اللغة وقدرتها على التطوّر.

وفي مقال "نقيق الضفادع"، الذي كتبه انتصارًا لصديقه جبران في قضية "تحمّم" المشهورة، ناقش نعيمه الاعتراض على اللفظة، مستندًا إلى الفرق بين الاستعمال القاموسي وإمكان دخول ألفاظ جديدة إلى اللغة. وتقوم حجته على أن تداول الكلمة وقبولها قد يمنحانها مكانًا في اللغة، وأن اللغة لا تتوقف عند حدود ما استقرّ في المعاجم.

لا يقتصر هذا الموقف على الدفاع عن مفردة اختارها شاعر؛ إنه يكشف عن تصوّر للّغة بوصفها كائنًا حيًا يتطوّر بالاستخدام، لا مجموعة مغلقة من القواعد والمعاجم. فالكلمة لا تكتسب مشروعيتها الأدبية من ورودها في القاموس وحده، بل من قدرتها على أداء المعنى، ومن قبولها في الاستعمال واستقرارها في التداول.

وهنا تتضح إحدى النقاط المهمّة في فكر نعيمه النقدي: لم يكن اعتراضه على الجمود اللغوي أقل أهمية من اعتراضه على الجمود الأدبي. ففي قضية "تحمّمت"، دافع عن حق اللغة في التجدّد، وعن إمكان أن يقترح الأديب استعمالا جديدًا بدلا من الاكتفاء بما ورثه من صيغ. وهذا الموقف شاهد على أن النقد عند نعيمه لم يكن خصومة دائمة مع جبران، وأن الصداقة لم تمنعه من الدفاع عن اختيار أدبي رآه جديرًا بالدفاع.


شهادة تتجاوز الإعجاب

في حديثه عن أدب جبران، كتب نعيمه: "في منثورات جبران ومنظوماته سمعت أنباض لبنان وسمعت خفقان قلبه". وهي عبارة تكشف عن تقديره لقدرة جبران على نقل روح المكان إلى الأدب، بحيث لا يبقى لبنان خلفية جغرافية في النصوص، بل يتحوّل إلى حضور وجداني وثقافي يتصل بذاكرة الإنسان وبيئته وانتمائه.

ولا ينبغي التعامل مع هذه الشهادة بوصفها حكمًا نقديًا شاملا في أدب جبران؛ فقيمتها أنها تحدّد جانبًا رآه نعيمه بارزًا في تجربته، ولا تعني بالضرورة إقرارًا بكل خياراته الفنية أو الفكرية. فالإشادة بقدرة الكاتب على التعبير عن روح بلاده لا تمنع الناقد من الاختلاف معه في البناء أو اللغة أو الرؤية.

ويُظهر الدفاع عن لفظة "تحمّمت"، إلى جانب هذه الشهادة، أن موقف نعيمه لم يكن رفضًا مطلقًا لتجربة صديقه. غير أن تحديد حدود الاتفاق والاختلاف بينهما يظلّ مرتبطًا بقراءة أحكامه التفصيلية على "السابق" و "العواصف"، لا بالاكتفاء بشواهد منفردة.

يميل جبران إلى الرمز والتأمّل الوجداني، فيما يتجلّى نعيمه ناقدًا يختبر النصوص ويسائل اللغة والتقليد. وهذا اختلاف في زاوية النظر وأدوات القراءة، لكنه لا يثبت، بمفرده، تناقضًا فكريًا بين الرجلين. وإذا أردنا الحديث عن تناقض في أفكار جبران، فعلينا أن نقابل نصوصه بعضها ببعض، وأن نحدّد الفكرة التي تغيّرت أو العبارة التي تناقض عبارة أخرى، مع مراعاة اختلاف الأزمنة والسياقات. أما إذا كان المقصود اختلاف جبران ونعيمه في تقويم بعض الأساليب الأدبية، فذلك يحتاج إلى تحديد مواضع الاختلاف في النصوص، لا إلى تحويل التباين إلى خصومة.

ولعلّ هذا هو المدخل الأصحّ لقراءة علاقة أديبين جمعتهما "الرابطة القلمية"، من دون أن تذيب الصداقة استقلال كل منهما. فالتجارب الأدبية الكبيرة لا تتقدّم بالتطابق الكامل بين أصحابها، بل بالحوار والاختلاف والقدرة على مراجعة الأفكار. والناقد الذي يكتفي بموافقة الكاتب يفقد وظيفته، كما أن القارئ الذي يحوّل كل ملاحظة نقدية إلى خصومة يغلق الباب أمام فهم النص.

لقد كان نعيمه ناقدًا لا يكتفي بالمجاملة، لكنه لم يكن في كل موقف خصمًا لجبران. ففي "الغربال" أخضع الأدب للمساءلة، وفي قضية "تحمّمت" دافع عن حرية اللغة في التطوّر، وفي حديثه عن أدب جبران أشار إلى قدرته على نقل أنباض لبنان وخفقان قلبه. وتقدّم هذه الشواهد صورة أكثر توازنًا للعلاقة بينهما، من دون أن تدّعي حسم جميع تفاصيلها النقدية.

إن الإنصاف لا يقتضي تقديس جبران، ولا إعفاء نعيمه من المساءلة، بل يقتضي العودة إلى النصوص والتمييز بين النقد والرفض، وبين الاختلاف والخصومة. فالأدب لا يُنصف بالتقديس، ولا يُقرأ بالتشهير.


*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني