عباس هدلا

الدولة العميقة و"حزب الله": شراكات وتأثيرات ومنفعة وتلزيمات

11 دقيقة للقراءة

في خطابه خلال قدّاس شهداء "المقاومة اللبنانية"، تحت عنوان "فجر السيادة" بتاريخ 6 أيلول 2026، قدّم رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع تعريفًا لمصطلح "الدولة العميقة" كـ "شبكة مصالح ومنافع داخل مؤسسات وأجهزة وسلطات أمنية وعسكرية وقضائية، تأخذ من الدولة لمصلحة "الدويلة" والمافيات والفاسدين"، وإذا كان هذا التعريف يوضّح أكثر فأكثر مدى ارتباط هذه الدولة العميقة بمشروع "الدويلة" أو بمعنى أصح مشروع "حزب الله" في لبنان، فإن دفاع الأخير المستميت عن هذه الدولة يوضح أهمية "الدولة العميقة" في مشروع تصدير الثورة الإسلامية ودولة الولي الفقيه، ويفتح الباب لتظهير الخدمات والمنافع وتسيير مصالح التي سهّلته إدارات الدولة لمشروع تصدير الثورة.

لعلّ الحديث عن العلاقة بين "حزب الله" والنظام اللبناني واضح ومشروع في ظاهره، في المجال السياسي والتمثيلي، لكونه تحت سقف ما عُرف بالميثاق الوطني والعرف السائد منذ عهد الانتداب، تحت عنوان 6 و6 مكرّر، اللذين يحميان الأحجام والتوازنات والتحالفات التي تحكم الواقع السياسي اللبناني المبني على التوازن الطائفي. أمّا النفوذ والحصص والتأثير في الإدارات الرسمية، فلا تظهر بوضوح بسبب سياسة التناتش والتقاسم التي دأب عليها المتعاقبون على السلطة منذ اتفاق الطائف، وأصبحت تلك المؤسسات ساحة للصفقات والتنفيعات مع القوى السياسية التي وُلدت بعد الطائف أو التي التحقت بالدولة عام 2005، وإن بنسب متفاوتة بحسب قربها أو بعدها من تحالف السلاح والفساد الذي أرسى هذه المعادلة وعمل على استدامتها.

حملت المصادر المفتوحة الكثير من المعلومات عن لجان ووحدات أنشأها "حزب الله" للعمل على ترسيخ نفوذه في الدولة اللبنانية، وهي تتنوع على مختلف الصعد من سياسي وأمني وعسكري واقتصادي واجتماعي وصحي وتربوي ديني وثقافي وسياحي وبلدي.


على الصعيد السياسي والإداري:

مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، أسّس "حزب الله" ما يُعرف بمجلس العمل البرلماني، الذي ما لبث أن تعاظم شأنه مع انخراط "الحزب" في الحكومات، وتحوّل إلى مجلس العمل النيابي والحكومي، وأضحى يتمتّع بأهمية كبيرة لما له من تأثير في اللعبة السياسية العامة والتحالفات البرلمانية والحكومية، بالإضافة إلى الإشراف على الإدارات العامة، ولا سيما تلك التي تدور في فلك الوزارات التي تسلّمها "حزب الله" مباشرة، فيكون له الكلمة العليا في عملية تسيير تلك المرافق والمستشارين والقيّمين على هذه الإدارات وطبيعة عملها.

وخلال فترة 20 عامًا تقريبًا، تسلّم "حزب الله" وزارة العمل 5 مرات، ووزارات الزراعة والصحة والصناعة ثلاث مرات لكلّ منها، ووزارات الشباب والرياضة والتنمية الإدارية وشؤون مجلس النواب مرتين لكلّ منها، ووزارتي الأشغال العامة والطاقة والمياه مرة واحدة لكلّ منهما. وبالتالي، نجح "حزب الله" في الوجود في معظم الوزارات الإنتاجية والخدماتية والإدارية، ممّا سمح له بالاطلاع والتقييم وتطعيم إدارات هذه الوزارات بالكوادر والعناصر الحزبية وغير الحزبية، التي يمكن أن تُسهم بشكل فاعل في خدمة المشروع الذي أُنشئ من أجله "حزب الله"، أي مشروع الدولة الإسلامية العامة.


على الصعيد الأمني:

مع إقرار اتفاق دمشق الثاني في تشرين الثاني 1990 ووضع الصراع مع حركة أمل أوزاره، أسست جماعة "حزب الله" لجنة الارتباط والتنسيق، التي تولت إدارة العلاقات الأمنية وتنسيقها مع حركة أمل وجهاز الأمن والاستطلاع والمخابرات في الجيش السوري وأجهزة الأحزاب والتنظيمات وسائر الأجهزة الأمنية في الدولة اللبنانية، لمعالجة أي إشكال أو احتكاك في تلك الفترة. وعلى سجية اللجان الأمنية التي كانت تنشأ خلال الحرب الأهلية، تم إنشاء لجان أمنية في محتلف المناطق التي تواجد فيها أو سيطر عليها "حزب الله".

على مدى السنوات والحقبات، ترأس تلك اللجان وفيق صفا، وتنوع عملها وتحوّل من التنسيق والتعاون خلال فترة حافظ الأسد إلى التقييم والإشراف والإدارة والتوجيه في الحقبات اللاحقة، ولا سيما بعد الانسحاب العسكري السوري في نيسان 2005، فأصبحت صاحبة اليد الطولى في السماح أو رفض دخول الأجهزة إلى المناطق التي تسيطر عليها، وطريقة عمل تلك الأجهزة في هذه المناطق والزامية التعاون معها، كما أضحت تصدر البطاقات يتم الالتزام بها، وأضحت لجنة الإرتباط والتنسيق مرجعية أساسية في إدارة اللعبة السياسية اللبنانية وصولا إلى الشأن الإداري والتنظيمي في الإدارة اللبنانية بمختلف توجهاتها وشجونها.


عل الصعيد العسكري:

بالإضافة إلى استقلاليته العسكرية الكاملة، تكثر المعلومات والتقارير والتصريحات السياسية والتحليلات الصحافية عن نفوذ لـ"حزب الله" في المحكمة العسكرية، باعتبارها أداة لملاحقة بعض الشخصيات أو لتبرئة عناصر حزبية أو تخفيف الأحكام عنها، وعلى سبيل المثال، قضية الطيار سامر حنا، التي تحوّلت إلى قتل غير مقصود، وتم الإفراج عن القاتل، الذي ما لبث أن لقلى مصرعه في سوريا، وغيرها من القضايا، كما يتم الحديث خلال الفترات السابقة عن تنسيق للجيش اللبناني ومخابراته مع "حزب الله"، وتسهيل لتحركات وتنقلات عناصر جهازه العسكري، تحت إطار البيان الوزاري وفقرته التي تسمح بحيازة السلاح والوسائل القتالية لقتال إسرائيل.


على الصعيد البلدي:

بعد دخول "حزب الله" العمل البلدي عام 1998 والهيمنة عليه عام 2004، تم إنشاء "جمعية العمل البلدي" عام 2006، التي تولت توجيه وتدريب وإرشاد أكثر من 1000 سلطة بلدية، ويدير الجمعية مسؤول ملف العمل البلدي المركزي في "حزب الله"، وخلال "حرب الإسناد" عامَي 2023 و2024، نعت الجمعية عددًا من رؤساء البلديات والعاملين فيها في البقاع والجنوب.

رسّخت الاستراتيجية التي عمل عليها "حزب الله" في الموضوع البلدي، سيطرة وهيمنة كاملة على الإدارات المحلية في المناطق الشيعية، وأضحى نهجها يلبس نهج "حزب الله" ورؤيته، ما أرسى نمطًا اجتماعيًا وثقافيًا في تلك المناطق يتطابق مع نمط مشروع تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية. ويبتعد هذا النمط كل البعد عن النمط والمفاهيم والأدبيات اللبنانية، وتحوّلت "جمعية العمل البلدي" إلى مرشد ومسيّر لهذه البلدات.

على الصعيد الصحي:

يُعتبر "حزب الله"، من خلال الهيئة الصحية الإسلامية، شريكًا أساسيًا لوزارة الصحة العامة اللبنانية، التي دأب "الحزب" على الحفاظ عليها في الحصّة الحكومية (3 مرات من حصّة "حزب الله" في آخر 4 حكومات)، ولا سيما في مجال المستوصفات الصحية، حيث تدير الهيئة الصحية الإسلامية حوالى 70 مركزًا تنتشر في كافة المناطق ذات الغالبية الشيعية في لبنان، إمّا مباشرة أو من خلال تلزيم المركز الصحي للبلدية. كما تحظى بأعلى السقوف المالية من قبل الوزارة، وتستحوذ على حصّة كبيرة من الأدوية والمعدّات الطبية التي تُسلّمها المنظمات الدولية لوزارة الصحة. كما توجد في الهيئة مديرية دفاع مدني تمتلك 22 مركزًا إسعافيًا وأفواج إطفاء موزّعة بين بيروت وجبل لبنان والبقاع والجنوب، وتديرها بالتنسيق مع البلديات واتحادات البلديات.


على الصعيد الاجتماعي:

مع وصول طلائع المقاتلين الإيرانيين إلى لبنان مطلع عام 1980، بدأت المؤسسات الإيرانية الاجتماعية بالظهور في لبنان، فظهرت "مؤسسة شهيد الثورة الإسلامية" عام 1982، وتلتها "مؤسسة إمداد الإمام الخميني" عام 1988، وما لبثت تلك المؤسسات أن تحوّلت إلى جمعيات لبنانية، كما حصلت على صفة المنفعة العامة، وتتعاون مع أجهزة الدولة اللبنانية وتحصل على مساعدات منها، شأنها شأن الجمعيات اللبنانية الأخرى التي تحمل الصفة نفسها. وأصبحت تحصل على مساعدات من وزارة الشؤون الاجتماعية والدولة اللبنانية ومؤسسات الأمم المتحدة.


على الصعيد الاقتصادي والتنموي:

بعد إدراج وزارة الخزانة الأميركية "بيت مال المسلمين – مؤسسة القرض الحسن" على قائمة مموّلي الإرهاب عام 2006، بحجّة أنها تقوم بإدارة استثمارات "حزب الله" والعمل وسيطًا بينه وبين المصارف الرئيسية، بدأت هذه المصارف تعاني من تعرّضها للعقوبات، وكان البنك اللبناني الكندي أول مصرف تُفرض عليه عقوبات مالية من واشنطن بسبب صلاته بـ"حزب الله" عام 2011، فشُطب من لائحة المصارف اللبنانية، وبيعت جميع موجوداته وحقوقه. كما أُدرج اسم مالك بنك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – مياب، قاسم حجيج، على لائحة "أوفاك"، فانسحب منه وتخلّى عن مسؤولياته فيه. وتبع جمال ترست بنك "اللبناني الكندي"، فتمّت تصفيته وشطبه من لائحة المصارف.

وزخرت التقارير الإعلامية والاستقصائية الصحافية بمعلومات عن أساليب لتمويل "حزب الله"، تنوّعت بين الاستثمارات القانونية والشرعية، ومنها الخُمس والتبرّعات والشبكات التجارية، والممارسات المخالفة للقوانين، كتجارة المخدّرات والكبتاغون والتهريب من المعابر غير الشرعية على الحدود اللبنانية السورية، والحديث عن تمرير شحنات مختلفة الأنواع من المعابر الشرعية من خلال تخفيف إجراءات التفتيش أو تعطيلها، وعمليات إدخال الأموال النقدية بتيسير من الجهات المولجة بتطبيق القانون في المعابر الشرعية. هذا عدا عن الشبكات الدولية والشخصيات وشركات التحويل التي تُفرض عليها عقوبات أميركية بين الفينة والأخرى.

قامت السلطة اللبنانية خلال السنوات الماضية، بعد حقبة من التساهل والتسيير وغض النظر، بالعديد من الإجراءات في سبيل تخفيف تأثير الاقتصاد الموازي لـ"الحزب" من دون أن يكون لهذه الاجراءات وقعها الفعلي والدائم.

أما على صعيد التنمية، فقد لعبت مؤسسة "جهاد البناء" أقدم المؤسسات التي أنشأها إيرانيون في لبنان دورًا أساسيًا في العلاقة بين "حزب الله" والدولة اللبنانية في الموضوع التنموي، ولعل "مشروع وعد" الذي أُطلِق في 25 أيار 2007 لإعادة إعمار الضاحية الجنوبيَّة بعد حرب تموز 2006، من أهم المشاريع التي أنجزتها الجمعية من خلال التعاون المباشر مع الدولة والمؤسسات اللبنانية، كما كان للجمعية دور فاعل في موضوع التدريب الزراعي بالتعاون مع وزارة الزراعة و البلديات وكان لها مبادرات في المجال التعاوني من خلال أسواق "سوق أرضي"عام 2007 بدعم من البلديات والوزارات، و"سوق صناعتي"عام 2022 بدعم ورعاية وزير الصناعة جورج بوشكيان، وأدار جمعية "البركة" التي عينت بالتدريب المهني، وتعاونت بشكل وثيق مع وزارة العمل والبلديات في ما يتعلّق بالتدريب وفرص العمل.


على الصعيد التربوي:

بالإضافة إلى إنشاء نظامه التربوي الخاص من خلال "المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم" وجمعية التعليم الديني، آثر "حزب الله" التدخّل في الشأن التربوي اللبناني من خلال "التعبئة التربوية" و"تجمّع المعلمين في لبنان"، واستطاعت مؤسسات "حزب الله" أن يكون لها تأثير كبير نقابيًا وتعليميًا. وعلى سجيّة الإدارات اللبنانية الأخرى، حصل "حزب الله" على حصّة وازنة في التعيينات التربوية والجامعية على صعيد مديري المدارس الرسمية والكليات الجامعية، حيث تمّ نعي العديد من أعضائه خلال حرب الإسناد لغزة وإيران، ممّن يتبوّأون مناصب رسمية كبيرة في الجسم التعليمي اللبناني، ولا سيما في الجامعة اللبنانية والمدارس الرسمية جنوبًا.

كما أضحى لـ"حزب الله" سيطرة كبيرة على صعيد التعليم الديني في المناطق الشيعية، بعد أن تلزّمت جمعية التعليم الديني الإسلامي التابعة لـ"حزب الله" معلّمي الدين في المدارس الرسمية، وتمّ فرض كتابها كتابًا معتمدًا في هذه المدارس، ممّا جعل التعليم الديني فيها تحت إشراف النظرة الدينية لـ"حزب الله".


على الصعيد الثقافي والسياحي:

في العام 2011، برزت جمعية تابعة لـ"حزب الله" تحت اسم "قبس" بالظهور تحت عنوان رعاية المقامات والمزارات الدينية الشيعية في مختلف المناطق اللبنانية واكتشافها ورعايتها، واستحصلت في العام 2013 على علم وخبر من وزارة الداخلية اللبنانية، وعمدت الجمعية إلى لتعاون مع الوزارات والإدارات العامة والمؤسسات الرسمية في المجال الثقافي والسياحي الديني، ولا سيما مع وزارت الثقافة والعمل والإعلام، بالإضافة إلى وزارتي الأشغال والسياحة. وفي المحصلة، فإن الجمعية انتزعت من "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" جزءًا بالغ الأهمية من الوقف، وعلى الرغم من كل ذلك فإن "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" لم يحرّك ساكنًا من أجل استرجاع إشرافه على تلك المعالم،.والمستغرب أيضًا هو أن الجمعية باتت ممثّلا حصريًّا لهذا النوع من المقامات لدى الجهات الرسمية اللبنانية

مع معركة طوفان الأقصى وحرب إسناد غزة وحرب الإسناد عام 2023، تعرّض "حزب الله" لضربات عسكرية كبيرة واغتيالات لقادته وعناصره، ورغم كل هذه الخسائر والنتائج، لم يتأثّر "حزب الله" داخليًا، وحافظ على قدراته التي سمحت له بالاستمرار في الهيمنة والسيطرة على واقع المجتمع الشيعي وبنيته في لبنان، واستمرّت عملية تلزيمه للخدمات والإدارة في المناطق الشيعية، واستمرّت عملية تسخير أجهزة الدولة وإمكاناتها لصالحه، فلا تزال الخدمات تُقدَّم للجمهور من خلال مؤسساته، ولا تزال التعيينات الشيعية في الإدارات الرسمية تتمّ من خلال الثنائي بعيدًا من معايير الكفاءة والشفافية والحوكمة، ولا تزال الشراكة النفعية والقسرية بين أجهزة الدولة اللبنانية ومشروع الدولة الإسلامية العامة المتمثّل بـ"حزب الله" قائمة حتى إشعار آخر.