يتصور البعض خطأً أن دخول دولة إسرائيل في مرحلة حكومة تصريف الأعمال سيشكل قيداً على نتنياهو أو يحد من نفوذ قراراته. لكن الواقع القانوني والسياسي يكشف عكس ذلك تماماً، ويؤكد أن هذا الوضع يمنحه مساحة حركة ومرونة أوسع بكثير. فعند تتبع المسار الزمني الذي يفرضه القانون الأساسي الإسرائيلي لتشكيل الحكومات، نجد أنه يمر بسلسلة طويلة من المحطات التعقيدية والإجبارية. فإذا فشلت كل المحاولات التي تتراوح مدتها عادة بين ثلاثة إلى خمسة أشهر، يُحل الكنيست بشكل تلقائي لتُجرى انتخابات مبكرة بعد تسعين يوماً. هذه الآلية تكفل تمديد عمر حكومة تصريف الأعمال لفترة تتراوح بين ستة أشهر وعام كامل.
فالتشريعات الإسرائيلية ورغم تقييدها لحكومة تصريف الأعمال في بعض الجوانب الإدارية مثل التعيينات الكبرى، إلا أنها تخلو من أي قيود صارمة تكبح صلاحياتها في الملفات الاستراتيجية العسكرية والأمنية، بل تنص صراحة على بقاء الحكومة المستقيلة على رأس عملها لحين ولادة الائتلاف الجديد. وفي غضون ذلك، يعاني الكنيست من الشلل وغياب تشكيل لجان دائمة، الأمر الذي يعطل أدوات الرقابة والقدرة على سحب الثقة. وفي المقابل، يستقل وينفرد المجلس الوزاري المصغر الكابينت، برئاسة نتنياهو، باتخاذ قرارات مصيرية مثل إعلان الحرب أو شن توغل بري، دون أدنى حاجة لموافقة البرلمان. والأهم من ذلك، يتحرر نتنياهو تماماً من ضغوط الشركاء الحزبيين وشروطهم داخل الكنيست، مستنداً إلى كون حكومته قائمة وراسخة ولا يمكن الإطاحة بها طالما لم يتشكل البديل.
ولا عقبات خارجية؛ فالإسناد والدعم الأمريكي المباشر، لا سيما في ظل وجود دونالد ترامب والتحالف السياسي والشخصي القوي مع نتنياهو، سيعمل كمظلة لتغطية أي تحرك عسكري تحت يافطة حماية أمن دولة إسرائيل خلال المرحلة الانتقالية. ومن هذا المنطلق، إذا استشعر نتنياهو أن خطر تشكيل حكومة بديلة برئاسة شخصيات مثل آيزنكوت أصبح واقعاً وشيكاً، فلن يتوانى كرئيس لحكومة تصريف أعمال عن التصعيد العسكري أو توجيه ضربات قاسية على الجبهات المختلفة، لفرض وقائع ميدانية جديدة تكبل أي حكومة مقبلة وتمنعها من تقديم أي تنازلات تفاوضية. علما" بأن التصعيد العسكري هو ثابت في توجهات نتنياهو.
الخلاصة إذن؛ هي أن الرهان على مرحلة تصريف الأعمال كفترة راحة أو التقاط أنفاس ل«حزب الله»، كما يحلو للبعض أن يتصور، هو تقدير مجافٍ للواقع؛ فكلما طالت دوامة أزمات تشكيل الحكومة، تضاعفت قدرة نتنياهو على استثمار الفراغ لتمرير سياساته الرامية إلى استكمال عملية تفكيك البنية العسكرية لـ «حزب الله» وفرض وقائع جديدة على الأرض، ليثبت مجدداً أن الانتقال السياسي في إسرائيل ليس عائقاً أمام السلطة، بل هو بوابتها الأوسع لاستكمال المسار.