نظرة من نافذة مفتوحة على عوالم متعددة

"أسفار... عوالم وخواطر وذكريات" لحسين حرب

8 دقائق للقراءة
تتأرجح مشاعرك ما بين أسوار وأبراج وحدائق ومطابخ قصر "Topkapi" (إنترنت)

صدر عن "دار سائر المشرق" كتاب "أسفار... عوالم وخواطر وذكريات" للكاتب حسين حرب. هذا الكتاب ليس سجلَّ أسفار، بل هو نظرة من نافذة مفتوحة على عوالم متعددة، يتولّى السرد وتداعي الذكريات لملمة أطرافها المتباعدة. هو نوع من السياحة الثقافية بين عالمين. في صفحاته الأولى، يعبر الكاتب مدنًا بعيدة لا بوصفها خرائط وأسماء، بل بوصفها دهشة ومشاعر متضاربة أمام سيرة الآخر، ومرايا للذات. ثم يعود إلى سيرته الأولى، إلى مشاهد من منتصف القرن العشرين. وفي القسم الأخير، يخفّ الإيقاع، ويزداد التأمّل، وتغدو الصفحات ملعبًا لحوارات صامتة ومقارنات خفيّة بين الكائنات. تنشر "نداء الوطن" فيما يلي فصلين من الكتاب.

إسطنبول

تقف إسطنبول على تقاطع قارتين (آسيا وأوروبا)، وثلاث إمبراطوريات (سلاطين بني عثمان، وقياصرة آل رومانوف، وأباطرة آل هابسبورغ)، وثلاث ديانات (المسيحية الشرقية، والمسيحية الغربية، والإسلام)، وتحمل كوكبة من الأسماء المتعاقبة التي تحيلك إلى عوالم متعددة.

وعلى تقاطع ثلاثة أشكال من البحار: بحر مرمرة، ومضيق البوسفور، والقرن الذهبي، تقف ثلاثة من الخيول المطهّمة، تمدّ رؤوسها لتشرب من بحر واحد ذي منابع متعددة، وقد أصابها، في لحظة من الزمن الأول، ما جعلها جمادًا، فاستحالت إلى هضاب ثلاث تنساب على جنباتها منحدرات توزّع الجمالات شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبًا، في لعبة ألوان وأشكال طبيعية متناسقة ومتعاكسة ما بين البرّ والبحور، تطرّزها المراكب والنوارس بمسحات ما بين الأبيض والأسود.

في إسطنبول، تتسربل بالتاريخ والجغرافيا، بالمكان والزمان، بالمقدّس والمدنّس. هنا يأسرك المكان، ولا مفرّ لك من سطوة التاريخ. مدينة عتيقة، عريقة، عصرية، يتأبّط فيها قسطنطين ذراع محمد الفاتح، ويعتمر أتاتورك عمامة سليمان القانوني. قباب وأبراج، مآذن وأجراس، كنائس ومساجد، عمائم وقلنسوات، منحدرات وزواريب وأدراج، ميادين وحدائق، أنفاق وجسور معلّقة، سفن وقطارات، مترو وترامواي، أسواق وبازارات، متاحف وآثار...

كيفما أبحرت في أزمنتها، فإلى مسامعك تترامى أصداء صنّاجات تصدح، وصهيل خيول، وأصوات مدافع، ومجاديف وأشرعة تعبر، وبيارق ترفرف، وقلاع تسقط وأسوار تتهاوى، وكنائس تقوم مقام معابد، ومساجد تُبنى على أنقاض أديرة. ثقافات وحضارات، أمم وشعوب، تلعب لعبة السيف والترس على الهضاب والمنحدرات.

آه... لو تحكي مياه البوسفور، لو ينطق بحر مرمرة، لانتصبت أمام أنظارنا جحافل البؤساء وسلاسل المعذّبين! لصمّت آذاننا آهات المظلومين المجنّدين والمجلوبين من رياح السلطنة الأربع لخدمة السلاطين في إسطنبول.

لا تكفّ هذه المدينة عن إدهاشك ومفاجأتك، فلا تشبع منها ولا تتملّى... جميلة، ساحرة، فاتنة، تبدي لك في كلّ مرة تزورها مظهرًا جديدًا، كعارضة أزياء تبدّل أثوابها على ضفاف البوسفور، دائمة التبدّل كمياه النهر، لا تزورها مرتين. غنيّة، ثريّة، هي كنصّ خالد، وكسيمفونية تأخذ موسيقاها بألبابك، وتلعب فيها الهضاب والبحار والمساجد المتناثرة على الروابي والمراكب التي تمخر عباب المضيق دور الآلات.

الجمالات في مدينتنا مرمية على ضفاف البوسفور، وفي كلّ مرة تحطّ فيها، لا تعرف من أين تبدأ بلملمة تلك الجمالات... أمِن لآلئ العمارة التي تجمع، في مركّب مدهش، الأناقة والفخامة والضخامة والتناسق؟ تحتار ما بين مطلّ مسجد سليمان القانوني، الذي يتصدّر منطقة الفاتح، بعين له على البوسفور وعين على القرن الذهبي، وبين أناقة واجهاته؛ بين ضخامة أعمدة الجامع الأزرق (pieds d'éléphant)، وبين منمنمات السيراميك والخزف المذهّب والخشب المرصّع بعرق اللؤلؤ والرخام السماقي، المعرّضة لشمائل من الضوء تأتيها من كلّ حدب وصوب عبر أحزمة من الفتحات المزجّجة!

تتأرجح مشاعرك ما بين الميادين والفسحات الواسعة في ساحات "تقسيم" الحديثة والـ "Hippodrome" القسطنطيني، وبين الأزقّة والأدراج حول برج "Galata"؛ ما بين أسوار وأبراج وحدائق ومطابخ قصر "Topkapi"، وبين حركة المياه المتماوجة بقدر محسوب، فلا ترتفع عن عتبات قصر "Dolmabahçe" أو عتبات المقاهي المتناثرة على ضفّتي البوسفور.

أتترك لنهر الشعوب والأقوام في شارع الاستقلال أن يجرف جسدك، أم تفضّل روائح الفلفل والكمّون والتوابل التي تأتيك من البازار المصري، أم تترك لعابك يسيل أمام مطاعم الكباب والكوفتة وصواني الباذنجان؟ أتتذوّق البقلاوة بالفستق، أم راحة الحلقوم بالرمّان، أم تفضّل قرقشة إسوارة من الكعك بالسمسم (SIMIT) ما بين عربات الباعة، أم تحتسي فنجانًا من الشاي في زاروب متفرّع من شارع الاستقلال؟


أحوالي مع الخريف

كانت أمي تقول لي:

"لْبوسْ ع راسك يا ميمتي، شمس القيظْ بتقلي البيضْ".

وكان أبي يقول:

"لْبوس جاكيت يا حسين، أَوّلُ البردِ تَوَقّاه وآخره تَلَقّاه".

فيما مضى، وفي مواضيع الإنشاء للصف الخامس الابتدائي - "السرتفيكا" - سادت صيغ المفاضلة، كما في حفلات الزجل، بين النهر والبحر، والقرية والمدينة، والشتاء والصيف، والربيع والخريف... في الفصول، كان الصيف يفوز على الشتاء، وينتصر الربيع على الخريف.

يا لسوء حظّه إذ يأتي الخريف بعد الصيف، صيف النهارات الطويلة والليالي المقمرة، صيف المهرجانات والرحلات والنشاطات الترفيهية، صيف الرمال الذهبية والأزرق الواسع، صيف العطل المدرسية الطويلة. يبدو خريفنا أمام هذه الأصياف قصيرًا، ضيّقًا، فقيرًا... كئيبًا.

في مقتبل العمر، كان الصيف، صيف القرى، صديقنا، رفيقنا. كان أُنسنا في سهراتنا ومسرّاتنا، نضرب له المواعيد قبل انتهاء العام الدراسي ونهرع إليه، طلابًا ومعلّمين، بعد أن تقفل المدارس أبوابها. "هيلا يا واسع"! نهرع إلى نهاراته الطويلة ولياليه المقمرة.

في قرى أصابها نزيف مستمر منذ أواسط القرن الماضي، فصارت تفرغ من عائلاتها وشبّانها إلى بيروت وإلى المهاجر طلبًا للعلم والعمل... لم تعد القرية على منوال واحد! صار للقرى حيوات مختلفة، صارت القرية قرًى: قرية الصيف، وقرية العام الدراسي، وقرية الآحاد والعطل...

يترافق مطلع الخريف مع العودة. يعود البيارتة والمغتربون إلى ديار عملهم وكسبهم، ويعود الطلاب والمعلّمون إلى مدارسهم، وتعود القرية إلى سيرتها الأولى: قبضة من المعلّمين في المدرسة، والدكنجية على أبواب دكاكينهم، والفلاحون والمزارعون في حقولهم صباحًا وعلى مصاطب الساحة عصرًا. تسقط شمس النهار في البحر قبل أن يصل طلاب المدارس إلى بيوتهم.

في مرحلة الفتوّة والشباب، كنت أدخل على الخريف كمن يدخل إلى سجن! لم أكن ألتفت إلى طقسه اللطيف في قرى الساحل، ولا إلى تشكيلات الغيم التي تبدعها هوْبرات الريح في سمائه، ولا إلى سكينة بحره. كان الخريف يشكّل لمعلّم في مدرسة القرية حالة همود ووجوم ووحشة واكتئاب، حالة فراغ تلي أيام الصيف العامرة بالأفراح والأعراس في ساحة الضيعة.

لا أعرف متى تحسّست حُسن الخريف وجماله. لا أعرف متى انتبهت إلى غنى الخريف بالأشكال والألوان والثمار! متى عاد بي الأمر إلى التبصّر في نقاء جوّه، وإلى استنشاق رائحة التراب بعد الشتوة الأولى؟ لم يتمّ ذلك بكشف واحد. أخذني وقت طويل، ترافق مع هبوطي على درج العمر... سنة بعد سنة، صار الخريف أجمل، ودرجة إثر درجة، صار فصلي المفضّل.

مع خريف العمر، وفي قراءة متجدّدة ومتأنّية لفصل الخريف، صار بالنسبة إليّ رسّام الفصول وشاعرها. رقّة وصفاء في الجو، وانقشاع في الرؤيا، ورهافة في الطقس تميل بك إلى التأمّل، وتنقّي الروح من منغّصاتها كما ينقّي مطر تشرين الجوّ من غباره والشجر من أدرانه. تشكيلات من الأبيض والأزرق في كبد السماء، وتشكيلات من الرمادي والناري تلعب مع الشمس على حدود الأفق، لحظة الغروب، لعبة الحجب والإبداء. ولا يكفّ أمير الفصول هذا عن استعراض قدراته في خلط الألوان في السماء، وتوليد مرايا من الكحليّ والأزرق واللازورديّ على سطح الماء، وإقامة مهرجان جوّال من الألوان يحطّ رحاله أينما حلّت الأشجار.

مال بي ثقل السنين إلى الهدوء والسكينة، وملتُ مع مَيَلان منحنى العمر من الصيف، فصل الحياة الصاخبة، إلى الخريف، فصل الحياة الأنيقة، فصرت أنتظر تشرين، مقرّب المسافات ومنقّي الأجواء، لأتملّى من جسد الطبيعة المغسول بعناية الشتوة الأولى، الطازج كعنقود من البلح الزغلولي المُنَدّى... أنتظر تشرين ليقترب البحر من شرفتي، فأبحر على صفحته الملساء وفي زرقته الكثيفة نحو عوالم من غير هذا العالم.

في مقتبل العمر نميل إلى الصيف، وفي خريف العمر نرتاح للخريف. الميل في خريف العمر إلى الهدوء والسكينة، وإلى التأمّل والتبصّر في مجرى حياتنا، وإلى تصفية الآراء والأفكار ممّا كان يغشاها من أدران، يجاري هدوء تشارين وصفاءهما وسكينتهما. حين يداهمنا العمر ويبدو قصيرًا، تصفو الرؤيا، ونهارات أيام الزيت قصيرة: "ما أصبحتْ تا أمسيتْ"، ولكنّها صافية كعين الديك، وبحرها أرقّ وأصفى من خيوط زيت الزيتون التي تتدلّى من مزاريب المعاصر في هذه الأيام.

في آخر أيّامه، يهشّ الخريف بريحه على غيمه الأبيض المنتشر في مراعي السماء قبل أن يداهمها غيم الشتاء الداكن، وأهشّ أنا، في هذه الأيام، على كلماتي الضائعة والمتفرّقة ما بين دفاتري العتيقة وبين أبواب وشبابيك الصفحات الضوئية المنتشرة على الآلات الإلكترونية... أهشّ عليها قبل أن يجفّ نسغ أفكاري ويداهمني هزيع الليل الأخير.


غلاف الكتاب