يضيق الوقت أمام الدبلوماسية في الشرق الأوسط، ويكتسب اجتماع طهران ملامح "الفرصة الأخيرة" قبل تجدّد الحرب الأميركية - الإيرانية. فاجتماع مسؤولين سياسيين وعسكريين وأمنيين بهذا المستوى، فيما تتواصل الهجمات الحوثية على السعودية وتتقدّم التحضيرات الأميركية لضرب إيران، يعكس إدراكًا إقليميًّا بأنّ هامش احتواء الانفجار يتقلّص. وقد أبقى الاتفاق على مواصلة المحادثات نافذة التفاوض مفتوحة، لكنّه ترك الاختبار الأساسي معلّقًا، وهو استعداد طهران لترجمة الحوار إلى تغيير في سلوكها وسلوك أذرعها.
تتصدّر مشاركة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان دلالات الاجتماع. فالمملكة، التي تتعرّض مطاراتها ومنشآتها وعمقها الحيوي للاعتداءات الحوثية، أوفدت أحد أقرب المسؤولين إلى مركز القرار، وصاحب موقع مباشر في إدارة أمنها ودفاعها. وتمنح هذه المشاركة المسعى الدبلوماسي وزنًا استثنائيًّا، إذ تضع أمام القيادة الإيرانية رسالة تحمل ثقل الدولة المُستهدفة وقدرتها على الجمع بين التفاوض والاستعداد للدفاع عن أراضيها.
ويكشف انتقال الأمير خالد إلى طهران حجم الاستثمار السعودي في منع الحرب، بما يضع القيادة الإيرانية أمام مسؤولية واضحة. فالرياض تفتح قناة رفيعة المستوى مع الدولة الداعمة للجماعة التي تهاجمها، وتمنح التسوية فرصة في لحظة شديدة الحساسية. واستمرار الاعتداءات بالتوازي مع هذه المبادرة يستنزف الثقة اللازمة لأي تفاهم، ويحوّل الحديث الإيراني عن الأمن الإقليمي إلى تعهّد تختبر صدقيته الصواريخ والمسيّرات المنطلقة من اليمن.
ويعزّز حضور قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن الطابع الأمني للاجتماع، الذي شارك فيه من جانب إيران كلّ من الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي. ترتبط الرياض وإسلام آباد وأنقرة بـ "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، وتتحرّك وسط اختبار عملي لقدرتها على حماية أمن أحد أطرافها. ويحمل منير خصوصًا دورًا مزدوجًا، بحكم موقع باكستان في الاتفاقية وانخراطها في الوساطة مع واشنطن. وبحسب ما أفاد مسؤول باكستاني وكالة "رويترز"، طرح المشير مقترحًا يحظى بموافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع احتمال تولّي دول الاتفاقية وقطر دور الضامن إذا قُبل.
وتتّصل زيارة الوفد القطري إلى طهران الأحد بحركة أوسع لنقل الرسائل واستكشاف مخارج التسوية. وتمتدّ هذه الحركة إلى موسكو اليوم، حيث يُرتقب أن يعقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لقاءين مع بزشكيان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وتُتيح اللقاءات تقاطع قنوات التأثير الروسية والوساطة القطرية، فيما يبقى انعقاد قمّة ثلاثية أمرًا واردًا. وتظلّ قيمة هذا الحراك مرهونة بقدرته على انتزاع التزامات قابلة للتنفيذ.
توازيًا، تمنح موافقة مجلس النواب المصري على تقديم دعم دفاعي للسعودية المسار الدبلوماسي سندًا إضافيًّا. فالتفويض الممنوح للرئيس عبد الفتاح السيسي يوسّع دائرة الدول المستعدّة لتحمّل مسؤولية حماية المملكة. ومع بقاء شكل الدعم وحجمه غير محسومين، وتأكيد القاهرة اقتصاره على الدفاع عن الأراضي السعودية، تتقدّم دلالة سياسية واضحة تتمثّل في ارتفاع كلفة استمرار الاعتداءات الحوثية واتّساع نطاق المصالح التي تهدّدها.
وتحضر المصالح المصرية مباشرة عند مضيق باب المندب وقناة السويس، مثلما يحضر أمن الطاقة العالمي في هذين الممرّين، وكذلك في مضيق هرمز. وبين الممرّين، تتراكم نتائج سياسة تحويل الملاحة والمنشآت الاقتصادية إلى أدوات ضغط. وقد أعلن الحوثيون أمس استهداف محطات ضخّ على خط الأنابيب السعودي شرق - غرب ومطار الرياض. ويكشف اختيار هذه الأهداف المعلنة اتجاهًا إلى الضغط على شرايين الاقتصاد، بما يضاعف حاجة المنطقة إلى ضمانات تتجاوز البيانات الدبلوماسية.
وتجري هذه المحاولات تحت ضغط الاستحقاقات الانتخابية. فعشية الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة اليوم، رفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سقف تهديداته، معلنًا توجيه أجهزته لإسقاط النظام الإيراني، ومستثمرًا دعم ترامب انتخابيًّا. وتزيد هذه اللغة مخاطر سوء التقدير، خصوصًا مع التحذيرات من محاولات إيرانية أو هجمات لوكلائها لعرقلة الاقتراع. ومع ذلك، يبقى التوقيت العسكري مرتبطًا أيضًا بالحسابات الأميركية، وقد أكّد البيت الأبيض أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل الانتخابات النصفية.
أمّا بعد ذلك، فتتّسع مساحة الاحتمالات الخطرة. فبحسب تقرير لـ "سي أن أن"، تستطيع القوّات الأميركية بدء عمليات خلال 96 ساعة من تلقّي الأمر، مع خطط قد تشمل منشآت للطاقة ومواقع عسكرية ونووية. وهذه المهلة تصف الجاهزية التنفيذية، فيما يظلّ قرار ترامب غير محسوم. لكنّها تمنح وساطات إسلام آباد والدوحة وموسكو استعجالًا إضافيًّا، وتضع القيادة الإيرانية أمام احتمال انتقال الضغط من الحصار والضربات المحدودة إلى عمليات أوسع.
يستمدّ اجتماع طهران أهمّيته بوصفه فرصة أخيرة محتملة لتغيير المسار. والمطلوب من إيران إجابات عملية عن أمن السعودية والملاحة وهجمات ذراعها الحوثي، بالتوازي مع معالجة أسباب المواجهة مع واشنطن. أمّا الإصرار على ثبات السياسات، كما عبّر وزير خارجيّتها عباس عراقجي، فيُهدّد بإفراغ الوساطات من مضمونها. لقد وصلت الدبلوماسية إلى طهران بثقل سعودي وباكستاني وتركي وقطري، وعلى النظام الإيراني أن يثبت قدرته على وقف التصعيد الذي يغذّيه، قبل أن تصبح المنطقة بأسرها رهينة جولة حرب جديدة، ستكون أخطر بكثير من سابقاتها.