يوسف يونس

كهرباء لبنان تكسر الشواذ عن القاعدة: المواطن لن يدفع ثمن تقاعس الدولة

3 دقائق للقراءة

خطوة جريئة ومسؤولة اتخذها مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان بقراره قطع التغذية عن الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة، بما فيها مصالح المياه، التي تخلّفت عن تسديد مستحقاتها رغم الإنذارات المتكررة، اعتبارًا من الثاني من تشرين الثاني المقبل، مع استثناء المستشفيات الحكومية.

هذا القرار ليس مجرد إجراء مالي، بل خطوة إصلاحية تعكس نهجًا جديدًا في الإدارة والمحاسبة، وتؤكد أن مؤسسات الدولة يجب أن تكون أول الملتزمين بتسديد ما يترتب عليها من فواتير ومتأخرات.

فمن غير المقبول أن يدفع المواطن اللبناني ثمن تقاعس القطاع العام، وأن تتراجع التغذية الكهربائية عن جميع المواطنين بسبب تراكم ديون الإدارات والمؤسسات الرسمية، فيما تواجه مؤسسة كهرباء لبنان تحديات مالية متزايدة، تتفاقم مع أزمة النفط العالمية.

واللافت أن هناك أموالًا واعتمادات متوافرة في عدد من الوزارات لم تُصرف، في وقت تتخلّف فيه مؤسسات عامة عن تسديد مستحقاتها. فكيف يُعقل أن تبقى هذه الأموال دون استخدام، بينما تحتاج مؤسسة كهرباء لبنان إلى تحصيل حقوقها لضمان استمرارية التغذية وتحسينها؟

ما نشهده اليوم من وزارة الطاقة والمياه ومؤسسة كهرباء لبنان، بإدارتها الجديدة، يقدّم نموذجًا مختلفًا وجديًا في التعاطي مع الشأن العام، وإرادة إصلاحية لم يعتد عليها اللبنانيون منذ زمن بعيد. إنه انتقال من سياسة التساهل وتأجيل القرارات إلى نهج يقوم على المسؤولية والانضباط المالي وحماية حقوق المؤسسة والمواطن معًا.

ويُحسب للمؤسسة استثناء المستشفيات الحكومية مراعاةً للاعتبارات الإنسانية، كما أن اعتبار البيان بمثابة كتاب تبليغ إلى جميع الجهات المعنية يضعها أمام مسؤولياتها، ويمنحها فرصة أخيرة لتسوية أوضاعها قبل تنفيذ القرار، بما يحول دون تعطيل الخدمات الأساسية، ولا سيما المياه.

إن المطلوب اليوم من الوزارات والمؤسسات العامة مواكبة هذا التوجّه والمبادرة إلى تسديد مستحقاتها، بدل تحميل المواطنين نتائج تقصيرها. فالإصلاح لا يمكن أن يكون مسؤولية وزارة واحدة أو مؤسسة بعينها، بل يجب أن يتحوّل إلى ثقافة عمل داخل الدولة، تقوم على احترام الالتزامات المالية، وحسن إدارة الموارد، وإنهاء سياسة تراكم الديون من دون محاسبة.

فالرسالة واضحة: لا يجوز أن تُحرم البلاد من الكهرباء لأن مؤسسات الدولة لا تدفع فواتيرها، ولا أن تبقى مؤسسة كهرباء لبنان رهينة ديون القطاع العام.

إنها خطوة تستحق الدعم والتشجيع، على أمل أن تتحوّل هذه الجدية التي تبديها وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان إلى نهج إصلاحي ثابت، يعيد الاعتبار إلى الإدارة العامة ويؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمواطن، قوامها المسؤولية والشفافية والمساواة في الالتزامات.

فالدولة التي تطالب مواطنيها بدفع فواتيرهم، عليها أولًا أن تكون قدوة في تسديد فواتيرها. ومن هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي، لا بالشعارات، بل بالقرارات الجريئة التي تحمي المال العام وتضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.